عقدت لجنة القطاعات الإنتاجية، الثلاثاء 10 فيفري 2026، برئاسة السيدة دلال اللموشي رئيسة اللجنة، جلسة استماع إلى ممثلي وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية، خُصّصت للنظر في موضوع البناءات التابعة للدولة الآيلة للسقوط، إضافة إلى عدد من الإشكاليات المتصلة بتصرف الدولة في أملاكها العقارية وتسوية وضعيات العقارات ذات الملكية الأجنبية والتجمعات السكنية المقامة على ملك الدولة.
وفي مستهل الجلسة، قدّم ممثلو وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية، عرضا، بيّنوا خلاله أن تدخل الوزارة يقتصر على العقارات الراجعة لها بالنظر مباشرة، في حين تخضع بقية العقارات إلى مسؤولية الهياكل المتصرفة فيها. وأوضحوا أن معالجة وضعية البنايات المهددة بالسقوط تتم طبقًا لأحكام القانون عدد 33 لسنة 2024 المؤرخ في 28 جوان 2024 المتعلق بالبنايات المتداعية للسقوط، والذي يحمّل واجب الإشعار بوجود الخطر إلى المالك أو المتسوغ، على أن تتولى البلدية إعلام اللجنة الفنية الجهوية المختصة التي تضم ممثلين عن البلدية والتجهيز والمعهد الوطني للتراث ومهندسًا معماريًا لإجراء المعاينات الفنية اللازمة. وفي صورة ثبوت الخطر، يتم اتخاذ قرار بالإخلاء والتنفيذ من قبل المالك، أو من قبل البلدية عند التعذر، استنادًا إلى تقرير خبير مأذون به قضائيًا يحدد إما الهدم الكلي أو الجزئي، مع التأكيد على أن قرارات الهدم تبقى قابلة لإيقاف التنفيذ وللطعن أمام المحكمة الإدارية.
وأفاد ممثلو الوزارة بأن المكلف العام بنزاعات الدولة لا يوقف التنفيذ وإنما يقتصر دوره على الإعلام بقرارات إيقاف التنفيذ الصادرة قضائيًا.
وخلال النقاش، أثار عدد من السيدات والسادة النواب مسألة التأخر في تنفيذ قرارات الهدم وما قد ينجرّ عنه من مخاطر على سلامة المواطنين، كما تساءلوا عن مدى اضطلاع البلديات بمسؤولياتها القانونية في هذا المجال، خاصة وأنها تبقى الجهة المكلفة بالتبليغ والتنفيذ عند تقاعس المالك.
وفي هذا الصدد، بيّن ممثلو الوزارة أن البلديات تواجه أحيانًا صعوبات عملية تتصل بكلفة الهدم، مؤكدين في المقابل أن الإشكال الأبرز يظل اجتماعيًا ويتعلق بإعادة إيواء المتساكنين، خاصة في الحالات الهشة، مع انتظار صدور نصوص ترتيبية تنظم هذه العملية، إلى جانب العمل على إعداد صيغ شراكة مع الباعثين العقاريين للتكفل بعمليات الهدم وإعادة البناء وإعادة الإيواء مع تمتيع المتساكنين بالأولوية.
كما تناولت المداخلات وضعية عديد العقارات ذات الملكية الأجنبية، خاصة تلك التي تعود ملكيتها إلى الفترة الاستعمارية، وما تمثله من عائق أمام التهيئة العمرانية وتسوية وضعيات المتساكنين.
وفي ردودهم، ذكّر ممثلو الوزارة بأن التصرف في هذه الأملاك يتم في إطار القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية، مستندين بالخصوص إلى القانون عدد 61 لسنة 1983 المؤرخ في 27 جوان 1983 المتعلق بالعقارات المبنية أو المكتسبة قبل سنة 1956 والراجعة لملكية أجانب، والذي ينظم كيفية التفويت فيها وتسوية وضعياتها. كما أشاروا إلى أن كل عملية عقارية يكون أحد أطرافها أجنبيًا تستوجب، من حيث المبدأ، ترخيصًا من الوالي، مع وجود اتفاقيات ثنائية خاصة، لاسيما مع الجانبين الفرنسي والإيطالي، تعفي من هذا الإجراء في بعض الحالات.
وبيّنوا كذلك أن خيار الدولة بعد الاستقلال اتجه نحو تأميم العقارات الفلاحية سنة 1964 دون غيرها، في حين تم اعتماد آليات قانونية أخرى بالنسبة للعقارات السكنية، من بينها القانون عدد 39 لسنة 1978 المؤرخ في 7 جوان 1978 المتعلق بمنح حق الأولوية للمتسوغين في الشراء، والذي مكّن المتسوغين التونسيين من حق البقاء والأولوية في اقتناء العقارات مع بقاء الملكية الأصلية للأجانب، مع اضطلاع الدولة بدور الوسيط في عمليات التفويت. كما أوضحوا أن الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية تتولى التصرف في عدد من هذه العقارات سواء بالتفويت أو بالتسويغ، وفي بعض الحالات تقوم بدور وكيل عقاري لفائدة المالك الأجنبي.
ومن جانب آخر، تساءل عدد من السيدات والسادة النواب أيضًا عن وضعية العقارات الدولية التي يشغلها متساكنون دون سند قانوني أو دون مقابل، وعن بطء عمليات التسوية والتقسيم.
وفي هذا السياق، أفاد ممثلو الوزارة بأن تسوية التجمعات السكنية تتم بصفة تدريجية نظرًا لتعقيد الإجراءات وارتفاع كلفة التقسيم، وأن مساهمة المتساكنين توجه أساسًا لتغطية المصاريف الفنية، مؤكدين أن الدولة لا تحقق أرباحًا من هذه العمليات.
كما أشاروا إلى وجود عدد كبير من المقاسم والتجمعات في حاجة إلى التسوية، وإلى مبادرات تشريعية لتنقيح بعض الأوامر الترتيبية بهدف إكساء هذه التجمعات الصبغة العمرانية وتسريع إدماجها في الدورة الاقتصادية.
وتناول النقاش أيضا، موضوع تثمين أملاك الدولة واستغلال العقارات الشاغرة لدعم الاستثمار والتنمية الجهوية، حيث أوضح ممثلو الوزارة أن التفويت يمكن أن يتم وفق صيغ مختلفة، بما في ذلك التفويت بالدينار الرمزي لفائدة البلديات أو المشاريع ذات الأولوية، وأن العقار الموظف يظل أفضل ضمانة لحمايته.
وفيما يتعلّق بتوظيف المقاطع الدولية لإنجاز المشاريع العمومية، أكّد ممثلو الوزارة أنّ تسويغ هذه المقاطع يتمّ عن طريق بتّة عمومية طبقًا للأطر القانونية الجاري بها العمل، مبرزين وجود عمل مشترك بين وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية ومختلف الأطراف المتداخلة قصد التسريع في إنجاز المشاريع العمومية، وذلك من خلال الرفع في نسق تحرير الحوزة العقارية بالتوازي مع توفير المواد الإنشائية الضرورية. كما شدّدوا على أهمية التوظيف الأمثل والناجع للمقاطع الدولية في إطار تثمين الدور الاقتصادي للعقارات الدولية ودعم قدرة الدولة على إنجاز مشاريع البنية التحتية في الآجال المحدّدة
ومن جانب آخر، أشاروا إلى انطلاق عملية جرد وتقييم شامل لأملاك الدولة وإعداد قاعدة بيانات رقمية وخارطة وطنية محينة، وذلك في إطار تطوير المنظومة المحاسبية وتماشيا مع مقتضيات القانون الأساسي للميزانية لسنة 2019 حول اعتماد القيد المزدوج وإرساء منظومة محاسبية تمكّن من ضبط القيمة الحقيقية لممتلكات الدولة في أفق إرساء لوحة قيادة شاملة.
وفي ختام الجلسة، تم التأكيد على ضرورة استكمال الإطار التشريعي والترتيبي المتعلق بإعادة الإيواء وتسوية العقارات ذات الملكية الأجنبية، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتوفير الموارد البشرية والمالية اللازمة لتحسين نسق التدخلات، بما يضمن حماية السلامة العامة وتثمين أملاك الدولة ودعم دورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

