أدّى وفد من لجنة القطاعات الإنتاجية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، برئاسة السيدة دلال اللموشي رئيسة اللجنة، وبحضور السيدة زكية المعروفي النائب الأول لرئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم، إلى جانب عدد من السيدات والسادة النواب من خارج اللجنة، زيارة ميدانية إلى ولاية بنزرت. وتندرج هذه الزيارة في إطار المهام الرقابية والمتابعة التي تضطلع بها اللجنة، والرامية إلى تقييم واقع القطاع الفلاحي بالجهة، والوقوف على أسباب الإشكاليات التي رافقت تأخر موسم البذر لسنة 2025/2026، وذلك بهدف اقتراح حلول جذرية تضمن عدم تكرار هذه الإشكالات خلال المواسم الفلاحية القادمة.
وقد استُهلّت الزيارة بعقد جلسة عمل بمقر الولاية مع السيد والي بنزرت والسيد الكاتب العام للولاية، تم خلالها التطرق إلى جملة من الصعوبات التي اعترضت عملية توزيع البذور، ولا سيما ما تعلق منها بتأخر آجال التوزيع، الأمر الذي انعكس سلباً على انطلاق موسم البذر لدى عدد هام من الفلاحين.
ومن جانبهم أثار السيدات والسادة النواب تساؤلات حول أسباب هذا التأخير، مؤكدين على ضرورة اضطلاع السلط الجهوية بدورها في ضبط جدول زمني واضح ودقيق لعملية التوزيع، مع إعلام الفلاحين بضرورة تحديد حاجياتهم من البذور منذ منتصف شهر أوت، بما يتيح توفير الكميات اللازمة خلال شهر سبتمبر.
من جهته، أفاد السيد الوالي بوجود بعض التأخير في عملية التوزيع، غير أنه أرجع جزءاً من تأخر موسم البذر إلى الظروف المناخية. كما أكد توفر البذور العادية، مشيراً إلى أن الإشكال الأساسي يتمثل في صعوبة حصول الفلاحين على البذور الممتازة. وأضاف أن حصة ولاية بنزرت من البذور بلغت خلال الموسم الحالي 76 ألف قنطار، مقابل 35 ألف قنطار خلال الموسم الفارط، وهو ما يمثل ارتفاعاً هاماً ساهم في بلوغ نسب توزيع مرتفعة على مستوى الجهة.
وفي المقابل، شدد عدد من أعضاء الوفد على أن الإشكال المطروح لا يتعلق بعدم توفر البذور أو عدم توزيعها، وإنما بتأخر آجال التوزيع، حيث يُفترض استكمال توفير الحصص وإنجاز عملية التوزيع خلال شهر سبتمبر، حتى يتمكن الفلاحون من مباشرة الزراعة في شهر نوفمبر، عوض تأخرها إلى أواخر شهر ديسمبر كما حصل خلال هذا الموسم. كما أشاروا إلى معاناة الفلاحين من غياب المعلومة، وتأخر رد السلط الجهوية على استفساراتهم، وهو ما يضع الفلاح في وضعية إنتظار بخصوص مواعيد التوزيع و تساؤل حول أسباب التأخير، ويعطل بالتالي حسن الإعداد للموسم الفلاحي.
وأكد السيدات والسادة النواب أن غياب الوضوح في مسألة الحصص ومواعيد التوزيع قد يدفع بعض الفلاحين إلى التزود بالبذور من جهات أخرى، مما يؤثر سلباً على منظومة توزيع الحصص، ويحرم فلاحي بعض الجهات من نصيبهم، وهو ما من شأنه أن ينعكس في نهاية المطاف على جودة موسم الحبوب على المستوى الوطني.
كما دعوا إلى ضرورة الشروع في توزيع البذور منذ شهر سبتمبر، مع ترك الحرية للفلاح في تحديد موعد البذر المناسب حسب الظروف المناخية والفنية.
وطالب الوفد البرلماني بأن يتحول المندوب الجهوي للتنمية الفلاحية إلى مراكز التوزيع ميدانياً لمعاينة نسق التوزيع والاطلاع مباشرة على الإشكاليات المطروحة، مع التأكيد على أن النقص أو التأخير في التوزيع يثير الشكوك حول مسالك التوزيع، ويفتح المجال للتساؤل بشأن إمكانية وجود عمليات توزيع غير قانونية.
كما تم التأكيد على الأهمية الاستراتيجية لولاية بنزرت في القطاع الفلاحي على المستوى الوطني، بما يستوجب إيجاد حلول عملية لمشاكل الفلاحين وضمان ديمومة هذا القطاع الحيوي بالجهة.
وفي السياق ذاته، أبرز السيدات والسادة النواب ضرورة دعم الفلاحين وإرشادهم، وتمكينهم من تخزين حاجياتهم من البذور في ظروف ملائمة، إلى جانب تكثيف متابعة السلط الجهوية لمختلف مراحل عملية التوزيع.
وفي إطار استكمال برنامج الزيارة، تحوّل النواب إلى عدد من مراكز تجميع وتوزيع البذور، إضافة إلى شركة منتجة للبذور بالجهة، وذلك بكل من معتمديات منزل بورقيبة وماطر وغزالة وجومين، حيث رافقهم معتمدو هذه المعتمديات، والتقوا بالمسؤولين عن تلك المراكز. وقد قدم المسؤولون الجهويون والمحليون عرضاً حول مراحل عملية توزيع البذور، إلى جانب لمحة حول إنتاج البذور الممتازة وعمليات تصنيفها.
كما إلتقى أعضاء الوفد، خلال هذه الزيارات، بعدد من ممثلي الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، إضافة إلى مجموعة من الفلاحين، حيث تم الوقوف على نتائج عمليات توزيع البذور والإشكالات التي رافقتها وأسبابها. وقد تباينت مواقف الفلاحين من منطقة إلى أخرى، إذ أفاد بعضهم بحصولهم على حصصهم كاملة، في حين عبّر آخرون عن استيائهم من النقص المسجل، خاصة في بذور القمح، مما اضطر العديد منهم إلى التزود من جهات أخرى أو اللجوء إلى زراعة بذور مختلطة.
وأجمع أغلب الفلاحين على استيائهم من تأخر توزيع البذور، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على انطلاق موسم البذر وتأثير محتمل على جودة صابة الحبوب بصفة عامة. وأرجع الفلاحون هذا الوضع بالأساس إلى غياب إجابات واضحة من السلط الجهوية، وعدم توفر جدول زمني مضبوط لعملية التوزيع. كما عبّروا عن تخوفهم من تأخر تزويدهم بالأسمدة ومادة الأمونيتر، أو من الحصول على منتوج ذي جودة منخفضة نتيجة التخزين في ظروف غير ملائمة وتأخر التوزيع، ووجّهوا نداءً إلى السلط الجهوية للإسراع في توفير الأسمدة تفادياً لأي تأثير سلبي على الإنتاج.
وتطرقت الزيارة كذلك إلى عدد من الإشكاليات الفلاحية الأخرى التي تعاني منها الجهة، من بينها تفشي الحشرة القرمزية دون اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمكافحتها، فضلاً عن الصعوبات التي تواجه زراعة البقوليات، وخاصة الفول والحمص، بسبب انتشار آفة الهالوك المعروفة بـ«بودبوس»، في ظل غياب حلول ناجعة لها، وهو ما ساهم في عزوف الفلاحين عن هذه الزراعات وتوجههم نحو زراعة الحبوب، مما أدى إلى ارتفاع الطلب على بذور الحبوب وتعقيد مشاكل توزيعها.
وفي ختام الزيارة، عبّر أعضاء الوفد عن تفهمهم لانشغالات الفلاحين، وأكدوا التزامهم بالتعاون معهم والسعي إلى إيجاد حلول جذرية ومستدامة لهذه الإشكالات، وذلك بالتنسيق مع الجهات المعنية، من أجل وضع استراتيجية واضحة ومنظمة لتوزيع البذور، بما يضمن تفادي تكرار هذه الصعوبات مستقبلاً وضمان حسن سير المواسم الفلاحية القادمة.

