عقدت لجنة القطاعات الإنتاجية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم ولجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة بمجلس نواب الشعب، الجمعة 7نوفمبر 2025، برئاسة السيدة دلال اللموشي والسيد شكري البحري، رئيسي اللجنتين، جلسة استماع، خُصّصت لمناقشة مشروع ميزانية مهمة وزارة التجارة وتنمية الصادرات لسنة 2026، وذلك بحضور السيد وزير التجارة وتنمية الصادرات وعدد من الإطارات بالوزارة.
في مستهلّ الجلسة، قدّم السيد وزير التجارة وتنمية الصادرات عرضًا شاملًا حول مشروع الميزانية، موضحًا أنّ إعدادها تمّ في ظلّ توازنات اقتصادية دقيقة تتأثر بمعدلات التضخّم وضغط التوريد وضعف الاستثمار.
وأكد أنّ الوزارة تعمل على تحقيق معادلة صعبة تجمع بين البعد الاجتماعي والاقتصادي، من خلال حماية القدرة الشرائية للمواطن ومواصلة سياسة الدعم من جهة، ودفع التصدير وتعزيز تنافسية المنتوج الوطني من جهة أخرى.
وبلغت ميزانية وزارة التجارة وتنمية الصادرات لسنة 2026 نحو 4.26 مليار دينار، أي ما يعادل 6,7% من ميزانية الدولة.وتمثّل ميزانية المهمة دون احتساب نفقات دعم المواد الأساسية حوالي 0,3% من الميزانية العامة للدولة. وتستأثر نفقات التدخلات – دون احتساب التدخلات ذات الصبغة الاستثمارية – بحوالي 97,6% من مجموع الميزانية، بما قيمته 4.160 مليار دينار، خُصّص منها 4.079 مليار دينار لتعويض المواد الأساسية و75,1 مليون دينار للنهوض بالصادرات.
في المقابل، بلغت نفقات التدخلات ذات الصبغة الاستثمارية 15,3 مليون دينار، منها 12,65 مليون دينار لفائدة مركز النهوض بالصادرات، و1,52 مليون دينار للديوان التونسي للتجارة، و1,16 مليون دينار لمشروع تأهيل مسالخ شركة اللحوم.
أما الميزانية التشغيلية للوزارة، باستثناء نفقات الدعم والتدخلات، فتقدَّر بـ 84,2 مليون دينار، منها 74,1 مليون دينار مخصصة للتأجير والتسيير، و10,08 ملايين دينار للاستثمار. وقد تمّ تحديد هذه الأرقام وفقًا لأسعار الحبوب المحلية ومعدلات الأسعار العالمية للحبوب الموردة والزيت النباتي، بما يعكس الجهد الكبير الذي تبذله الدولة في دعم المواد الغذائية الأساسية بنسبة 2,2% من الناتج الداخلي الخام و6,4% من ميزانية الدولة، أي ما يعادل قرابة 34,2% من نفقات التنمية.
وخلال النقاش، تم طرح إشكاليات هيكلية تعيق أداء الوزارة في الميدان. فقد أشار السيدات والسادة النواب إلى وجود فجوة بين ما ورد في العرض التقديمي وما تضمّنته النسخة الورقية الرسمية لمشروع الميزانية، مؤكدين أن بعض المحاور تكرّرت من سنة إلى أخرى دون إصلاحات ملموسة.
وتصدّر قطاع التمور واجهة النقاشات، حيث أثيرت تساؤلات حول دخول تمور من دول أخرى وتأثيرها على المنتوج المحلي، مع الدعوة إلى تعزيز الرقابة وحماية الفلاحين. كما طُرحت مشاكل نقص الموارد البشرية والوسائل اللوجستية في الإدارات الجهوية، خصوصًا في الولايات الداخلية.
من جهة أخرى، تناول السيدات والسادة النواب ظاهرة التجارة الموازية التي باتت تمثل جزءًا من الواقع الاقتصادي، داعين إلى اعتماد مقاربة إدماجية بدل الاكتفاء بالإجراءات الزجرية، في حين حذّر آخرون من تفاقم أزمة اللحوم الحمراء والذبح العشوائي لإناث القطيع، مطالبين بوضع خطة وطنية متكاملة للحفاظ على ديمومة الثروة الحيوانية.
كما اعتبر متدخلون أن آلية “من المنتج إلى المستهلك” ما زالت تعاني من صعوبات تطبيقية تتعلق بالنقل والتخزين، في ظلّ غياب تنسيق فعّال بين وزارتي التجارة والفلاحة. وعبّر عدد من السيدات والسادة النواب عن قلقهم من تواصل تدهور القدرة الشرائية للمواطن وارتفاع أسعار المواد الأساسية، مشيرين إلى أنّ بعض المواد المدعّمة كزيت النباتي والسكر والقهوة لا تصل فعليًا إلى مستحقيها، بل تُستغل لأغراض تجارية من قبل بعض المحلات.
كما حذّروا من تعدّد الوسطاء في مسالك التوزيع وضعف الرقابة الاقتصادية، وهو ما يساهم في تفاقم الغلاء ويستوجب مراجعة شاملة لمنظومة الدعم وآليات توجيهه.
وبخصوص ملف التجارة الإلكترونية، دعا عدد من السيدات والسادة النواب إلى الإسراع في سنّ تشريع ينظّم هذا القطاع المتنامي، الذي تحوّل إلى شكل جديد من التجارة الموازية خارج الإطار القانوني. كما طُرحت مطالب بتطوير الموانئ التجارية، وخاصة ميناء قابس الذي يمكن أن يكون رافعة جديدة للمبادلات التجارية.
في رده على التساؤلات، عبّر السيد وزير التجارة وتنمية الصادرات عن تقديره لملاحظات النواب، مؤكدًا أن الوزارة تشاركهم الوعي بعمق التحديات.
وأوضح أنّ منظومة التوزيع تمرّ بثلاث حلقات أساسية هي المنتج، والوسيط، والمروّج، وأنّ تنظيم العلاقة بينها يمثل أساس الإصلاح، مشددًا على أنّ الوزارة لا تستهدف الفلاحين أو صغار التجار، بل تسعى إلى شفافية المعاملات وتوثيقها عبر وثائق رسمية تضمن حقوق الجميع.
وبخصوص الزيت النباتي المدعّم، أقرّ الوزير بوجود نقص في الكميات المستوردة، مبينًا أن التوريد هذه السنة أقل من حجم التوريد السنة الماضية، ما أدى إلى اضطرابات في التزويد ببعض المناطق.
أما فيما يتعلق بـاللحوم البيضاء، فقد أشار إلى أنّ الوزارة أقنعت بعض الشركات المنتجة بالتوجه نحو المناطق الداخلية والشعبية لتوفير المنتوج بأسعار ميسّرة.
وأكد الوزير أن مشروع نقاط البيع من المنتج إلى المستهلك يسير بنسق تصاعدي، والغاية أن تتوفر نقطة بيع شاملة في كل ولاية. كما أعلن عن إصدار منشور مشترك بين الوزارات المتدخلة لتنظيم نقل وتسويق البضائع وضمان عدم تداخل الصلاحيات بين مختلف الأجهزة الرقابية.
تطرّق الوزير كذلك إلى مشروع خبز الألياف الذي وصفه بالمهم من الناحية الصحية والاقتصادية، مؤكّدًا أن الوزارة بصدد تهيئة الإطار القانوني اللازم لاعتماده. كما شدّد على أن إصلاح منظومة الدعم سيتمّ بصفة تدريجية تراعي التوازن الاجتماعي والاقتصادي، مشيرًا إلى أنّ هذا الملف “استراتيجي ويتطلب التروي والواقعية”.
وفيما يتعلق بالعلاقات التجارية مع الجزائر، أوضح الوزير أن العلاقات بين البلدين متميزة، وإن كانت تشهد أحيانًا بعض الصعوبات التقنية، مؤكّدًا وجود اتصالات متقدمة ومشاريع تعاون في طور الإنجاز. كما كشف عن توجه لمراجعة بعض الاتفاقيات التجارية الدولية لضمان حماية أفضل للمنتوج التونسي وتحقيق توازن في المنافع.
واختتم الوزير مداخلته بالتأكيد على أنّ نجاح السياسة التجارية الوطنية يتوقف على التعاون بين الدولة والمجتمع، مؤكدًا أنّ “إعادة الثقة بين المواطن والإدارة تبقى الهدف الأسمى، وأن تنظيم السوق لا يعني التضييق على الفلاح بل حمايته”.

