عقدت لجنة المخططات التنموية والمشاريع الكبرى بالاشتراك مع لجنة الاستثمار والتعاون الدولي، الثلاثاء 20ماي 2025، جلسة استماع لممثلي الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري لمناقشة التحديات التي تواجه القطاع الفلاحي وقطاع الصيد البحري.
وخلال الجلسة، تم التأكيد على الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع الحيوي باعتباره أحد ركائز الاقتصاد الوطني، ومصدرًا أساسيًا للتشغيل، خاصة في المناطق الريفية، بالإضافة إلى دوره المحوري في تحقيق السيادة الغذائية. وقد تم التطرق إلى الأهداف الكبرى التي يُراد بلوغها في أفق 2030، على غرار تحسين الإنتاجية، رفع القدرة التنافسية، تأهيل البنية التحتية، وتطوير الموارد البشرية، بما يدعم الاكتفاء الذاتي الغذائي ويعزز صمود المنظومة الفلاحية.
و تم طرح عدد من الإشكاليات البنيوية التي تعيق نجاعة القطاع، من بينها ضعف الحوكمة وتشتت البرامج وتضارب الأدوار بين المتدخلين، إلى جانب هشاشة الوضعية الاقتصادية للفلاح، وارتفاع كلفة الإنتاج، وتراجع مردودية الاستثمار الفلاحي، ما يؤدي إلى نفور المستثمرين والشباب من القطاع.
وفي هذا الإطار، تم التطرق إلى ظاهرة عزوف الشباب عن النشاط الفلاحي نتيجة غياب الحوافز وندرة آفاق التطور المهني في هذا المجال، وتم الربط بينها وبين النمو الديمغرافي السلبي في المناطق الداخلية، ما يهدد استمرارية النسيج الفلاحي ويضعف ديناميكية الأرياف.
كما تمّت الإشارة إلى تأثيرات التغيرات المناخية المتسارعة، والتي أصبحت تُشكّل تهديدًا حقيقيًا للمنظومة الفلاحية التقليدية.
ودعا المتدخلون إلى ضرورة صياغة خارطة فلاحية وطنية جديدة تأخذ بعين الاعتبار التغيرات المناخية، وتحفّز الانتقال نحو أنماط إنتاج أكثر إستدامة، مع التركيز على إدارة الموارد الطبيعية بشكل فعّال وخاصة الماء والتربة.
ومن بين الإشكاليات الكبرى التي طُرحت خلال الجلسة أيضًا مسألة تشتّت العقار الفلاحي، والتي يتعدّ من أبرز العوائق التي تعرقل استغلال الأراضي بصفة مجدية. فقد ساهم الإرث والغياب شبه الكلي للإصلاحات العقارية في تقسيم الملكيات إلى مساحات صغيرة غير قابلة للاستثمار أو التطوير، مما يؤدي إلى ضعف الإنتاجية وصعوبة إدماج هذه العقارات في مسارات التمويل والتهيئة الفلاحية.
وتم التأكيد على ضرورة إيجاد حلول عملية وتشريعية لتجميع العقارات أو تشجيع العمل الجماعي ضمن شركات تعاضدية أو مجامع تنموية، بما يُمكّن من استغلال أفضل للأراضي وتحقيق مردودية أعلى.
كما أكد عدد من السيدات والسادة النواب، على ضرورة تشريك الفلاحين، وخاصة الشباب، في صياغة السياسات العمومية والمشاريع الفلاحية، وذلك لضمان تكيّفها مع الواقع وتحقيق نجاعة ونجاح التدخلات.
وتطرقت الجلسة كذلك إلى مسألة التبعية الغذائية لتونس للأسواق الخارجية، وما تطرحه من مخاطر وتحديات، داعية إلى بناء منظومة وطنية متكاملة لضمان الأمن الغذائي وتعزيز الاكتفاء الذاتي.
وخلص الحاضرون في هذه الجلسة إلى ضرورة إعداد خارطة فلاحية جديدة تراعي التحولات المناخية وإعادة هيكلة القطاع بمنهج تشاركي ولامركزي وتعزيز الحوكمة صلبه وتمكين الفلاحين وخاصة الشباب ودعم البحث العلمي وتفعيل دور الإرشاد الفلاحي والتكوين المستمر من أجل رفع كفاءة العاملين في القطاع ومواكبة التحولات التكنولوجية والبيئية. كما تم التأكيد على ضرورة تعزيز التنظيم المهني للفلاحين عبر هياكل قوية تمثّلهم وتدافع عن مصالحهم، وتشجع على العمل الجماعي والاقتصاد التضامني.
وقد أكد المتدخلون أيضًا على ضرورة التوظيف الأمثل للموارد الطبيعية، خاصة في ظل التغيرات المناخية وشح المياه، وذلك باعتماد مقاربات مستدامة وعلمية تضمن استمرارية الإنتاج وحماية البيئة في آن واحد.
و أجمع الحاضرون على ضرورة أن تستند هذه التوجهات إلى رؤية اقتصادية واجتماعية شاملة، تُبنى على أسس تطوير الإنتاج وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، بما يعزز العدالة الاجتماعية، ويضمن ديمومة النشاط الفلاحي، ويجعل منه رافعة حقيقية للتنمية المستدامة والاندماج الاجتماعي في تونس.

