عقدت لجنة القطاعات الإنتاجية، الخميس 16 جويلية 2026، برئاسة السيدة دلال اللموشي رئيسة اللجنة، جلسة استماع إلى إطارات وزارتي البيئة و الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري حول موضوع بحث آليات توسيع استعمال المياه المعالجة في القطاع الفلاحي لتعزيز ترشيد استهلاك الموارد المائية.
وفي مستهل الجلسة، استعرض ممثلو وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري التوجهات الوطنية في مجال تثمين الموارد المائية غير التقليدية، مؤكدين أن استراتيجية المياه في أفق سنة 2050 ترتكز على أربعة محاور رئيسية تتفرع عنها 43 برنامجا و1200 إجراء، وتعدّ إعادة استعمال المياه المستعملة المعالجة في المجال الفلاحي أحد المشاريع ذات الأولوية إلى جانب تعبئة الموارد المائية، وتحسين مردودية شبكات مياه الشرب والري، وتحلية مياه البحر، والمحافظة على الأراضي الفلاحية، وتثمين مياه الأمطار والاعتماد على الطاقات المتجددة.
وبيّن المتدخلون أن الاستراتيجية تستهدف استعمال 70 % من المياه المستعملة المعالجة في الأغراض الفلاحية والاقتصادية والإيكولوجية، مع تحسين مردودية شبكات الري إلى 83 % ومردودية شبكات مياه الشرب إلى 85 %، وإرساء إصلاحات مؤسساتية تعزز حوكمة قطاع المياه، مشيرين إلى أن أكثر من نصف الاعتمادات المخصصة لتفعيل هذه الاستراتيجية، أي حوالي 53 %، ستوجّه إلى برامج تثمين المياه المعالجة في المجال الفلاحي.
وفي تطرقهم للوضعية الحالية، أفاد ممثلو الوزارة بأن استعمال المياه المستعملة المعالجة في الري انطلق منذ سنة 1965، ثم توسع ليشمل حاليا 36 منطقة سقوية موزعة على 17 ولاية بمساحة مهيأة تناهز 7819 هكتارا، غير أن المساحات المستغلة فعليا لا تتجاوز 2778 هكتارا، أي ما يعادل 36 % من المساحات المهيأة، في حين لم تتجاوز الكميات المستهلكة خلال سنة 2025 نسبة 10 % من إجمالي المياه المعالجة المنتجة. كما أوضحوا أن الزراعات المستفيدة تتوزع أساسا بين الأشجار المثمرة بنسبة 47%، والزراعات الكبرى وخاصة الأعلاف بنسبة 51 %، إلى جانب نسبة محدودة من المساحات المخصصة للمناطق الخضراء والزراعات الصناعية.
واستعرض ممثلو الوزارة الإطار التشريعي والتنظيمي المنظم لاستعمال المياه المستعملة المعالجة في المجال الفلاحي، والذي يحدد شروط الترخيص والمعايير الفنية والصحية وآليات المتابعة والرقابة، مبرزين أن هذا الإطار شهد تطورا تدريجيا بهدف تبسيط إجراءات الترخيص وضمان سلامة استعمال هذه المياه.
وفي المقابل، أشاروا إلى جملة من الإشكاليات التي تحد من توسيع استعمال المياه المعالجة، من بينها عدم استقرار جودة المياه، وعزوف عدد من الفلاحين، خاصة بولايات الشمال، عن استغلالها، وتقادم بعض شبكات الري، وضعف تعريفة المياه المعتمدة، ومحدودية قائمة الزراعات المرخص في ريها بهذه المياه، فضلا عن طول إجراءات الحصول على التراخيص.
وأكد ممثلو الوزارة أن التوجهات المستقبلية تقوم على إدماج المياه المستعملة المعالجة ضمن الموازنة المائية الوطنية في ظل التغيرات المناخية، مع رفع الكميات المثمنة إلى 450 مليون متر مكعب من أصل 560 مليون متر مكعب متوقعة في أفق سنة 2050، وتأمين جودة المياه بحسب مجالات استعمالها، وتشديد الرقابة على المؤسسات الملزمة بمعالجة مياهها، وإعداد خطة وطنية للتحسيس والتواصل، إلى جانب إعطاء الأولوية لاستعمال هذه المياه بالأراضي الدولية، خاصة لإنتاج الأعلاف.
وأضافوا أن المخطط المستقبلي يتضمن إنجاز 120 مشروعا لتثمين المياه المستعملة المعالجة، من بينها مشاريع لتهيئة مناطق سقوية تمتد على حوالي 56 ألف هكتار، ومشاريع لشحن الموائد المائية، وري المساحات الخضراء وملاعب الصولجان، وتوفير المياه للاستعمالات الصناعية، بما يسمح بتثمين أكثر من 70 % من المياه المعالجة المنتجة.
كما أشاروا إلى أن الوزارة تعمل على مراجعة الإطار التشريعي المنظم لإعادة استعمال المياه المستعملة المعالجة من خلال إعداد مشروع أمر جديد يعتمد تصنيفا لجودة المياه حسب مجالات استعمالها، ويحدد المخاطر وإجراءات السلامة الواجب اعتمادها، فضلا عن إحداث منصة إلكترونية وطنية لتجميع معطيات مشاريع إعادة استعمال المياه المعالجة وإتاحتها لمختلف المتدخلين.
وفي ختام العرض، استعرض ممثلو الوزارة أهم المشاريع المبرمجة ضمن مخطط التنمية 2026-2030، والتي تشمل إحداث مناطق سقوية جديدة، وإنجاز مشاريع كبرى لتحويل المياه المستعملة المعالجة من محطات التطهير إلى مناطق الطلب، إلى جانب مشاريع تنفذ في إطار التعاون مع عدد من الشركاء الدوليين، من بينهم الجانب الإيطالي والبنك الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية والبنك الإفريقي للتنمية، فضلا عن عدد من التجارب النموذجية الرامية إلى تطوير إعادة استعمال المياه المعالجة وتعزيز التنسيق بين مختلف الهياكل المتدخلة.
ومن حانبهم، أوضح ممثلو وزارة البيئة، من خلال الديوان الوطني للتطهير، دور الديوان في مجال حماية الموارد المائية ومقاومة التلوث، مبرزين أنه أُحدث سنة 1974 كمؤسسة عمومية تتولى التصرف في منظومة التطهير وإنجاز واستغلال وصيانة منشآت التطهير، إلى جانب النهوض بتثمين منتجات محطات التطهير، ولا سيما المياه المستعملة المعالجة، فضلا عن تكليفه بصيانة وتنظيف المجاري العابرة للمدن وشبكات تصريف مياه الأمطار.
وبيّن المتدخلون أن الديوان يشرف حاليا على استغلال 131 محطة تطهير موزعة على مختلف جهات البلاد، تعالج حوالي 311 مليون متر مكعب من المياه المستعملة سنويا، من بينها 37 محطة مجهزة بوحدات معالجة ثلاثية بطاقة تناهز 45.4 مليون متر مكعب سنويا، وهو ما يمثل حوالي 15 % من إجمالي المياه المعالجة، مع العمل على الترفيع تدريجيا في هذه الطاقة خلال السنوات المقبلة لتحسين جودة المياه وتوسيع مجالات إعادة استعمالها.
واستعرض ممثلو الوزارة الإطار التشريعي والتنظيمي المنظم لإعادة استعمال المياه المستعملة المعالجة، والذي يحدد شروط استعمالها والمعايير الصحية والبيئية الواجب احترامها، مؤكدين أن الوزارة تعمل بالتنسيق مع مختلف الهياكل المتدخلة على مراجعة هذا الإطار بما يواكب التطورات التقنية ويسهم في تبسيط إجراءات إعادة استعمال هذه المياه.
وأشاروا إلى أن كمية المياه المعاد استعمالها بلغت إلى موفى سنة 2025 حوالي 66.15 مليون متر مكعب، أي ما يعادل 21.27 % من إجمالي المياه المعالجة، وتتوزع بين الاستعمال المباشر في المناطق السقوية والملاعب والمساحات الخضراء، والاستعمال غير المباشر من خلال تغذية الموائد المائية والمحافظة على المناطق الرطبة، مبرزين أن إعادة الاستعمال تتم انطلاقا من 52 محطة تطهير، وأن هذه المياه توظف كذلك لدعم التوازنات البيئية والحد من استنزاف الموارد المائية التقليدية.
وأكد ممثلو الوزارة أن استراتيجية إعادة استعمال المياه المعالجة في أفق سنة 2050 تهدف إلى رفع نسبة تثمين هذه المياه إلى 80 %، أي ما يقارب 450 مليون متر مكعب سنويا، عبر توسيع مجالات استعمالها في القطاع الفلاحي والصناعي والسياحي والبيئي، وإحداث مشاريع لتغذية الموائد المائية، وري المساحات الخضراء وملاعب الصولجان، وتعزيز مساهمتها في التكيف مع التغيرات المناخية وتحقيق الأمن المائي.
كما استعرضوا أهم المشاريع الجارية والمستقبلية الرامية إلى تحسين نوعية المياه المعالجة وتوسيع إعادة استعمالها، ومن بينها تجهيز عدد من محطات التطهير بوحدات معالجة ثلاثية، وإنجاز محطة معالجة متقدمة بقابس لتزويد المجمع الكيميائي التونسي بالمياه المعالجة، إضافة إلى برامج ممولة في إطار التعاون مع عدد من الشركاء الدوليين، على غرار الوكالة اليابانية للتعاون الدولي، والبنك الإفريقي للتنمية، والبنك الألماني للتنمية، والبنك الدولي، فضلا عن مشاريع مشتركة مع وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري لتطوير المناطق السقوية المستغلة للمياه المعالجة.
وفي هذا السياق، أبرز ممثلو الوزارة أن هذه البرامج لا تقتصر على تطوير البنية التحتية، بل تشمل أيضا تحسين النجاعة الطاقية لمحطات التطهير، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وإعداد دراسات نموذجية لتشجيع إعادة استعمال المياه المعالجة، إلى جانب دعم الشراكة مع القطاع الخاص وتطوير آليات التمويل.
وفي ختام مداخلتهم، استعرض ممثلو الوزارة أبرز التحديات المطروحة، والمتمثلة أساسا في استكمال مراجعة المنظومة القانونية المنظمة لإعادة استعمال المياه المعالجة، وتبسيط إجراءات الترخيص، وإرساء إطار قانوني يحدد تعريفة المياه المعالجة، وتأمين التمويلات اللازمة لإنجاز مشاريع تثمين الحمأة الناتجة عن محطات التطهير، بما يساهم في تحسين جودة المياه المعالجة وتعزيز تثمينها في مختلف القطاعات.
وخلال النقاش أكد عدد من السيدات والسادة النواب أهمية تثمين المياه المستعملة المعالجة في ظل التغيرات المناخية وتفاقم الشح المائي وارتفاع الطلب على الموارد المائية، معتبرين أن التوسع في استعمالها يمثل أحد الحلول الأساسية لتخفيف الضغط على الموارد التقليدية، خاصة المياه الصالحة للشرب، داعين إلى توجيه هذه الموارد أساسا للاستهلاك البشري وتعويضها بالمياه المعالجة في مختلف الاستعمالات الممكنة، ولاسيما في القطاع الفلاحي.
وتساءل عدد من المتدخلين عن مدى إمكانية إعادة استعمال كامل كميات المياه المستعملة المعالجة المنتجة، وعن الأسباب التي تحول دون استغلال جزء منها، وخاصة تلك التي يتم تصريفها في البحر، وما إذا كان لذلك تأثير على نظافة الشواطئ وجودتها وعن الانعكاسات المحتملة على النشاط السياحي.
وفي تفاعلهم مع هذه التساؤلات، أوضح ممثلو الوزارتين أن إعادة استعمال كامل كميات المياه المعالجة تبقى ممكنة ، غير أنها تظل مرتبطة بتوفر البنية التحتية اللازمة من شبكات نقل ومناطق سقوية وتجهيزات تمكن من استغلال هذه الكميات.
كما بينوا أن طرق معالجة المياه تختلف بحسب التجهيزات المعتمدة، حيث توفر المعالجة الثلاثية مياها مطابقة للمواصفات بما يسمح بتوسيع مجالات استعمالها، في حين تقتصر طرق المعالجة التقليدية على استعمالات محددة، مؤكدين أن الدولة تتجه إلى تعميم تقنيات المعالجة المتطورة رغم ارتفاع كلفة تجهيز محطات التطهير بوحدات المعالجة الثلاثية.
وأضاف ممثلو الوزارتين أن عدد محطات التطهير المجهزة حاليا بوحدات المعالجة الثلاثية يبلغ 37 محطة، مع العمل على رفع هذا العدد إلى حوالي 90 محطة في أفق سنة 2030، وذلك في إطار دعم استعمال المياه المعالجة وتحسين جودتها بما يستجيب للمعايير المعتمدة.
وأكدوا أن الهدف الأساسي من هذه التوجهات يتمثل في مواجهة الشح المائي وتوفير موارد مائية إضافية لفائدة القطاع الفلاحي، بما يساهم في الحد من استعمال المياه الصالحة للشرب في الري. كما أبرزوا أن الديوان الوطني للتطهير يبذل مجهودات متواصلة للمحافظة على جودة المياه المعالجة بما يضمن إعادة استعمالها في ظروف تستجيب للمتطلبات الصحية والفنية.
وفيما يتعلق بالمياه المعالجة التي يتم تصريفها في البحر أو الأودية، أوضح ممثلو الوزارتين أن جميع كميات المياه المعالجة المنتجة موجهة، على المدى المتوسط والبعيد، إلى التثمين وإعادة الاستعمال، وذلك في ضوء الدراسات المنجزة لإحداث مناطق سقوية جديدة وربطها بمحطات التطهير، مبينين أن الكميات التي لا يقع استغلالها حاليا يتم تصريفها بصفة طبيعية، على أن تتقلص تدريجيا كلما توسعت مشاريع إعادة الاستعمال.
كما أشاروا إلى أن مواجهة تداعيات التغيرات المناخية وارتفاع الطلب على المياه تفرض الاعتماد على الموارد المائية غير التقليدية، وفي مقدمتها المياه المستعملة المعالجة وتحلية مياه البحر، باعتبارهما خيارين استراتيجيين لتعزيز الأمن المائي. وفي هذا الإطار، بيّنوا أن هناك مشاريع مشتركة بين وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري والديوان الوطني للتطهير، خاصة لفائدة ضيعات ديوان الأراضي الدولية، إلى جانب تنفيذ حملات تحسيسية لفائدة الفلاحين بهدف تعزيز الثقة في سلامة المياه المعالجة وتشجيع استعمالها.
وبين ممثلو الوزارتين أن المياه المستعملة المعالجة التي تخضع للمراقبة وتستجيب للمعايير الفنية والصحية تختلف عن المياه الناتجة عن بعض الأنشطة الصناعية، مؤكدين أن مصادر التلوث ترتبط أساسا بالتصريفات الصناعية غير المطابقة للمواصفات.

