عقدت لجنة القطاعات الإنتاجية، الخميس 9 جويلية 2026، برئاسة السيدة دلال اللموشي رئيسة اللجنة، جلسة استماع إلى ممثلي وزارة التجهيز والإسكان ووزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية حول وضعية المقاطع.
وفي مستهل الجلسة، قدّم ممثلو وزارة التجهيز والإسكان عرضا حول واقع قطاع المقاطع، حيث أبرزوا أن هذا القطاع يمثل أحد القطاعات الحيوية باعتباره المزود الرئيسي للمواد الأولية المستعملة في قطاع البناء والأشغال العامة والبنية التحتية، كما يساهم في دعم الاستثمار وتوفير مواطن الشغل وإنجاز المشاريع العمومية والخاصة.
وبيّن ممثلو الوزارة أن قطاع المقاطع يواجه في الوقت الراهن عددا من الإشكاليات والصعوبات التي أثرت على مردوديته، من أهمها تعطل إجراءات إسناد وتجديد رخص الاستغلال، وهو ما انعكس على نسق تزويد السوق بالمواد الإنشائية. كما أشاروا إلى محدودية عدد المقاطع النشطة مقارنة بالطلب المتزايد على هذه المواد، خاصة في ظل تعدد المشاريع الوطنية الكبرى، فضلا عن عدم التوازن في توزيع المقاطع بين مختلف ولايات الجمهورية، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع كلفة النقل وبالتالي ارتفاع كلفة الإنتاج.
وأضافوا أن القطاع يشهد أيضا تعدد المتدخلين الإداريين، وهو ما ينعكس على طول الإجراءات وتعقيدها، إلى جانب التحدي المتعلق بضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات استغلال الثروات الطبيعية والمحافظة على البيئة وضمان الاستغلال المستدام للموارد الطبيعية.
وفي هذا الإطار، أوضح ممثلو الوزارة أن العمل متواصل لإعداد المخطط الوطني للمقاطع، الذي يهدف إلى تحديد حاجيات مختلف الجهات وضبط مواقع الاستغلال وفق رؤية وطنية شاملة تراعي الجوانب الاقتصادية والبيئية والتنموية، بما يضمن حسن التصرف في هذه الثروة الطبيعية غير المتجددة.
كما أكدوا أهمية المحافظة على جودة المواد المستخرجة من المقاطع، مشيرين إلى أن خصائص المواد تختلف من مقطع إلى آخر، بل وحتى داخل المقطع الواحد، وهو ما يستوجب إخضاعها للمعايير الفنية المعتمدة قصد ضمان جودة المواد المستعملة في المشاريع العمومية والخاصة.
وفيما يتعلق بالإصلاحات المقترحة، بين ممثلو الوزارة أن من أبرز الأولويات مراجعة الإطار القانوني المنظم للقطاع بهدف تبسيط إجراءات إسناد الرخص وتجديدها، واعتماد رؤية استراتيجية لتنظيم استغلال المقاطع من خلال تفعيل المخطط الوطني للمقاطع، إلى جانب تشديد الرقابة على الاستغلال غير القانوني وتفعيل العقوبات بما يحد من التجاوزات ويحافظ على الثروة الوطنية.
واستعرض ممثلو الوزارة لمحة عن تطور القطاع، مبرزين أنه ظل لسنوات طويلة قطاعا غير منظم، وكانت عمليات الاستغلال تتم دون مراعاة كافية للجوانب البيئية وشروط السلامة، مما أدى إلى وجود عدد كبير من المقاطع المهجورة بمختلف مناطق البلاد. وقد تغير هذا الوضع بصدور القانون عدد 20 لسنة 1989 المؤرخ في 22 فيفري 1989 المتعلق بتنظيم استغلال المقاطع، والذي أرسى لأول مرة إطارا قانونيا ينظم القطاع ويحافظ على موارده باعتبارها ثروة طبيعية غير متجددة، وساهم في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال توفير المواد الأساسية المستعملة في صناعة الإسمنت والآجر والجير وفي إنجاز الطرقات والجسور والسدود والتهيئة العمرانية.
وأضافوا أن الوزارة اضطلعت بدور محوري في التعريف بالثروات المقطعية وتثمينها، ولاسيما الحجارة الرخامية، حيث تم اكتشاف العديد من المكامن ذات الجودة العالية في ولايات القصرين وسليانة والكاف وجندوبة وغيرها، وهو ما جعل الرخام التونسي يحظى بطلب متزايد في الأسواق الخارجية بفضل مواصفاته الفنية. كما عملت الوزارة على اكتشاف أهم مكامن الرمل السيليسي، وأسندت أول رخصة لاستغلاله بمعتمدية الوسلاتية، إلى جانب تثمين مكامن كربونات الكالسيوم بولايات القصرين وسيدي بوزيد، وهو ما ساهم في بعث وحدات صناعية مختصة بمعالجة هذه المادة.
كما تطرق العرض إلى الإطار القانوني المنظم للقطاع، حيث أوضح ممثلو الوزارة أن القانون عدد 20 لسنة 1989 يعرف المقطع باعتباره كل استغلال للمواد الطبيعية مثل الرمال والطين والصخور التي لا تدخل ضمن الخامات المنجمية، ويصنف المقاطع إلى مقاطع ذات صبغة تقليدية وأخرى ذات صبغة صناعية، وذلك اعتمادا على طاقة الإنتاج وتقنيات الاستغلال ومدى تأثير النشاط على البيئة واستعمال المتفجرات. وأشاروا إلى أن المقاطع التقليدية تمثل مجالا للاستثمار بالنسبة إلى صغار المستثمرين، في حين تخضع المقاطع الصناعية إلى شروط وإجراءات أكثر صرامة.
وبيّن ممثلو الوزارة أن منح رخص الاستغلال يتم إثر القيام بالمعاينات الفنية اللازمة وبعد أخذ رأي اللجنة الوطنية الاستشارية للمقاطع، في حين يتم سحب الرخص بموجب أحكام قضائية. كما أوضحوا أن الولاة يتولون، في إطار الصلاحيات المفوضة إليهم، قبول مطالب رخص المقاطع الصناعية وإحالتها إلى الإدارة المختصة، وإسناد رخص المقاطع التقليدية، فضلا عن السهر على مراقبة تطبيق التشريع وضمان احترام شروط السلامة وكيفية الاستغلال.
واستعرض ممثلو الوزارة أهم المخالفات التي يشهدها القطاع، والمتمثلة أساسا في الاستغلال دون تراخيص قانونية، أو مواصلة النشاط بتراخيص منتهية الصلوحية، أو تجاوز المساحات المرخص فيها، إضافة إلى الاستغلال العشوائي للمقاطع التقليدية وعدم احترام الالتزامات الفنية والبيئية وشروط السلامة المنصوص عليها بكراسات الشروط، وهو ما ينعكس سلبا على المحيط والموارد الطبيعية.
وأكدوا أن القانون الحالي، وبعد أكثر من ثلاثين سنة من دخوله حيز النفاذ، لم يعد يستجيب لمتطلبات الواقع، نظرا لما كشف عنه التطبيق من ثغرات عديدة، من بينها ضعف العقوبات المالية، وبطء الإجراءات القضائية، وعدم تناسب العقوبات مع خطورة المخالفات، فضلا عن غياب آليات قانونية أكثر نجاعة لردع المخالفين ومتابعة تنفيذ العقوبات.
وفي هذا السياق، أوضح ممثلو الوزارة أن الإدارة اعتمدت عددا من الحلول الظرفية، من بينها إلزام أصحاب المقاطع المخالفة بإبرام اتفاقيات مع مكاتب دراسات مختصة لمتابعة عمليات الاستغلال والتهيئة، وتحرير محاضر ضد المستغلين دون ترخيص وإحالتها إلى القضاء مع غلق المقاطع المخالفة، بالإضافة إلى إعداد المخططات المديرية الجهوية للمقاطع لتحديد مواقع الاستغلال وتنظيمها وفق المعطيات الجيولوجية والفنية.
وفي ختام العرض، استعرض ممثلو الوزارة أبرز ملامح مشروع القانون الجديد، الذي يهدف إلى إصلاح القطاع من خلال التمديد في مدة صلوحية رخص الاستغلال، وإرساء مبدأ تحميل المستغل مسؤولية إعادة تهيئة المقاطع بعد انتهاء النشاط، ومعالجة الإشكاليات العقارية المرتبطة بإسناد الرخص، وتعزيز حماية البيئة من خلال تمكين الإدارة من غلق المقاطع وسحب الرخص عند ظهور مخاطر بيئية جسيمة، إضافة إلى مراجعة منظومة العقوبات والاعتماد بدرجة أكبر على العقوبات المالية الإدارية بما يحقق مزيدا من النجاعة في مكافحة الاستغلال غير القانوني للمقاطع.
إثر ذلك، قدم ممثلو وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية لمحة عن الإطار القانوني وآليات التصرف في المقاطع الراجعة بالملكية الخاصة للدولة، مؤكدين أن الوزارة تضطلع بدور أفقي في التعاون مع مختلف الوزارات والمؤسسات العمومية، باعتبارها الجهة المختصة في توفير العقارات اللازمة لإنجاز المشاريع العمومية، ومن بينها المقاطع المستغلة لتوفير المواد الإنشائية.
وأوضحوا أن الإطار القانوني المنظم لهذا المجال يتمثل أساسا في الأمر الحكومي عدد 963 لسنة 2018 المتعلق بكيفية التصرف في المقاطع الراجعة بالملكية الخاصة للدولة، والذي أحدث لجنة فنية تتولى تحديد المساحات القابلة للاستغلال باعتبارها مصادر للمواد الإنشائية، كما تتولى إبداء الرأي في مطالب إسناد وتجديد وتوسعة رخص الاستغلال.
وأضافوا أن الأصل في التصرف في هذه المقاطع يتمثل في التسويغ عن طريق المزاد العلني ضمانا لمبادئ المنافسة والشفافية، غير أن المشرع أقر استثناءين أساسيين يتمثل الأول في المقاطع المخصصة لإنجاز المشاريع العمومية، والثاني في المقاطع التي تستغلها المؤسسات الصناعية التي تعتمد نشاطاتها على المواد المقطعية، على غرار مصانع الإسمنت، حيث يتم اللجوء في هاتين الحالتين إلى التسويغ بالمراكنة دون المرور بإجراءات المزاد العلني.
وأشار ممثلو الوزارة إلى أن عدد المقاطع الراجعة بالملكية الخاصة للدولة والمسـوغة حاليا يبلغ 91 مقطعا موزعة على مختلف ولايات الجمهورية حسب طبيعة المكامن المتوفرة، مبينين أن 19 مقطعا من بينها، مخصصة لاستغلالها لفائدة المشاريع العمومية. وأوضحوا أن 11 مقطعا منها محل عقود تسويغ سارية، في حين توجد أربعة مقاطع في مرحلة استكمال إجراءات إبرام عقود التسويغ بعد استيفاء الموافقات اللازمة من اللجنة الوطنية الاستشارية للمقاطع ولجنة تحديد المساحات، إضافة إلى ثلاثة مقاطع مبرمجة للنظر فيها خلال جلسة قريبة، مقابل مقطع واحد تم فسخ عقد تسويغه نتيجة عدم التزام المتسوغ بالواجبات المحمولة عليه.
وأكد ممثلو الوزارة أن الأولوية المطلقة تمنح حاليا للمقاطع المستغلة أو المزمع استغلالها لفائدة المشاريع العمومية، وخاصة مشاريع الطرقات والبنية التحتية، وذلك بالتنسيق مع وزارة التجهيز والإسكان. وفي هذا الإطار، تم القيام بعدد من الزيارات الميدانية المشتركة لمعاينة المواقع ذات الأولوية، من بينها منطقتا بلاريجيا بولاية جندوبة والهوارب بولاية القيروان المخصصة لمشروع الطريق السيارة تونس – جلمة، حيث تم اتخاذ إجراءات استثنائية لتسوية مختلف الوضعيات العقارية والإدارية وتيسير استغلال هذه المقاطع بما يضمن إنجاز المشاريع في الآجال المحددة.
وتطرق العرض إلى أبرز الصعوبات التي تعترض القطاع، مشيرين إلى أن النصوص القانونية الحالية لم تعد تواكب نسق تطور القطاع ومتطلبات تسريع الإجراءات وتبسيطها، وهو ما يستوجب مراجعتها بما يضمن مزيدا من النجاعة والمرونة والشفافية. كما أبرزوا وجود صعوبات مالية تواجه مستغلي المقاطع نتيجة ارتفاع كلفة الاستغلال، مبينين أن الوزارة تعمل، في حدود صلاحياتها، على اعتماد حلول مرنة لاستخلاص الديون من خلال تقسيطها، مع المحافظة في الوقت نفسه على حقوق الدولة، خاصة وأن معلوم كراء بعض المقاطع يبلغ سنويا ما بين مليار ومليار ونصف من المليمات.
وفي إطار تطوير آليات التصرف، أوضح ممثلو الوزارة أن العمل متواصل على رقمنة منظومة التصرف في المقاطع ضمن مشروع شامل لرقمنة الأراضي غير الفلاحية، بما يسمح بتوفير قاعدة بيانات دقيقة وإرساء مزيد من الشفافية في التصرف والمتابعة. كما يجري العمل على إيجاد حلول للمقاطع المهجورة أو التي استنفدت مخزونها، وذلك عبر إعادة توظيفها بالتنسيق مع الجماعات المحلية والوزارات المعنية، وخاصة وزارة البيئة، لاستغلالها في مشاريع ذات منفعة عامة، مع احترام الشروط البيئية والقانونية المنظمة لذلك.
واستعرض ممثلو الوزارة جملة من المؤشرات الإحصائية، حيث بينوا أن المساحة الجملية للمقاطع المستغلة لفائدة المشاريع العمومية تبلغ حوالي 144 هكتارا، كما بلغت مداخيل كراء واستغلال المقاطع خلال سنة 2025 حوالي 14 مليون دينار، في حين بلغت خلال السداسي الأول من سنة 2026 حوالي 8 ملايين دينار، وهو ما يعكس تطور نسق الاستخلاص وتحسن مردودية التصرف في هذا القطاع.
كما تم تناول الإطار القانوني المنظم للتصرف في المقاطع الراجعة لملك الدولة الخاص، حيث أوضح المتدخلون أن هذه المقاطع تعد جزءا من الملك الخاص للدولة ولا تندرج ضمن الملك العمومي، وهو ما يجعلها قابلة من الناحية القانونية للتفويت أو التقادم، إلا أن الوزارة لا تعتمد التفويت باعتبار المقاطع ثروة وطنية، ويقتصر التصرف فيها على التسويغ فقط.
وأشاروا إلى أنه قبل صدور الأمر الحكومي لسنة 2018، لم يكن يوجد إطار قانوني خاص ينظم التصرف في جميع المقاطع الراجعة لملك الدولة الخاص، حيث كان يتم التعامل معها وفقا للقواعد العامة المنظمة للتصرف في أملاك الدولة، وهو ما كان يطرح عدة صعوبات عملية وقانونية.
وفيما يتعلق بآليات التصرف، أوضح ممثلو الوزارة أن العلاقة بين الإدارة والمتسوغ تؤطرها عقود تسويغ تستند إلى كراس شروط يعد جزءا لا يتجزأ من العقد، ويتضمن مختلف الالتزامات الفنية والمالية، ولا سيما تحديد الكميات المسموح باستخراجها، وقيمة الكراء التي يضبطها خبراء أملاك الدولة، وآليات مراقبة مدى احترام المتسوغ للكميات والمساحات المرخص بها، وذلك بهدف المحافظة على المخزون المقطعي ومنع استنزافه.
كما بينوا أن عقد التسويغ يخضع خلال السنوات الأخيرة إلى مراجعات متواصلة قصد مزيد إحكام الرقابة، حيث تم رفع قيمة الضمان المالي ليعادل معلوم سنة كاملة، وإلزام المتسوغين بتقديم أمثلة بيانية ودراسات فنية سنوية لمتابعة عمليات الاستغلال، فضلا عن مراجعة آجال التنبيه قبل فسخ العقود، مع التنصيص على خطايا مالية إضافية في صورة تجاوز الكميات المرخص بها.
وأكد المتدخلون أن عقد التسويغ يمثل الإطار القانوني المنظم للعلاقة بين الطرفين، وأن احترام مقتضياته يضمن مواصلة الاستغلال، في حين يخول ثبوت الإخلال بالتزامات المتسوغ لوزير أملاك الدولة والشؤون العقارية إصدار مقرر في فسخ العقد، يترتب عنه إعلام وزارة التجهيز لاتخاذ الإجراءات اللازمة وسحب رخصة الاستغلال.
وفي الختام، شدد ممثلو الوزارة على أن القطاع ما يزال يعاني من نقص في النصوص الترتيبية المنظمة له، الأمر الذي يفرض مواصلة مراجعة المنظومة القانونية وإثراءها بما يواكب التطورات الاقتصادية والتقنية التي يشهدها قطاع المقاطع، إلى جانب تدعيم وسائل الرقابة الميدانية البشرية واللوجستية. كما أكدوا مواصلة التنسيق مع مختلف الهياكل المعنية للبحث عن مكامن جديدة، خاصة بالمناطق التي تحتاج إلى مواد إنشائية لإنجاز المشاريع العمومية، مع الإشارة إلى أن منطقة جبل بنت سعيدان بولاية زغوان تعد من بين المواقع التي تخضع حاليا للدراسة رغم ما يحيط بها من إشكاليات عقارية وبيئية.
وخلال النقاش، أثار السيدات والسادة النواب جملة من الإشكاليات المتعلقة بقطاع المقاطع، حيث أشاروا إلى وجود تفاوت بين الجهات في الاستفادة من الثروات المقطعية، معتبرين أن بعض الولايات، رغم توفرها على مكامن هامة، لا ينعكس ذلك على واقع التنمية بها، كما لفتوا إلى وجود عدد من المقاطع المعطلة، وهو ما ساهم في تعطيل العديد من المشاريع العمومية وتأخير إنجازها.
كما أبرزوا وجود تضارب في الصلاحيات بين بعض الهياكل المتدخلة في القطاع، حيث يتم في بعض الحالات إسناد تراخيص الاستغلال من قبل جهة إدارية، لتتدخل لاحقا جهة أخرى وتعطل استغلال المقطع، بما ينعكس سلبا على نسق تنفيذ المشاريع.
ودعوا إلى التسريع في إسناد وتجديد رخص الاستغلال، خاصة في ظل العدد الكبير من المشاريع المبرمجة ضمن مخططات التنمية، متسائلين عن مدى جاهزية وزارتَي التجهيز والإسكان وأملاك الدولة والشؤون العقارية لتأمين حاجيات هذه المشاريع من المواد الإنشائية، وما إذا كان العدد الحالي للمقاطع كافيا لتلبية الطلب المتزايد.
واعتبر النواب أن نقص المقاطع أو تعطل استغلالها أصبح من أبرز أسباب تعثر المشاريع العمومية، باعتبارها تمثل المصدر الرئيسي للمواد الأولية المستعملة في إنجاز الطرقات والمنشآت والبنية التحتية. كما تساءلوا عن مدى تحيين عقود استغلال المقاطع بصفة دورية بما يواكب المتغيرات الاقتصادية وارتفاع كلفة الاستغلال، ويضمن التوازن بين المحافظة على حقوق الدولة وضمان استمرارية نشاط المستغلين.
وفي السياق ذاته، أشار عدد من النواب إلى أن مستغل المقطع قد يجد نفسه أحيانا أمام أوضاع خارجة عن إرادته نتيجة الزحف العمراني الذي يجعل التجمعات السكنية تقترب من المقاطع المرخص فيها، داعين إلى اعتماد مقاربة متوازنة تراعي مقتضيات التنمية ومتطلبات حماية المحيط.
كما اعتبروا أن تخصيص عدد من المقاطع لفائدة المشاريع العمومية يمثل توجها إيجابيا، غير أنهم اقترحوا منح الأولوية للمشاريع العمومية لاستغلال المقاطع الأقرب إلى مواقع إنجازها، حتى وإن لم تكن مخصصة لها مسبقا، بما يحد من كلفة النقل ويساهم في تسريع الإنجاز.
ونبه عدد من المتدخلين إلى أن ندرة المواد المقطعية والإنشائية أصبحت تمثل أحد أبرز العوامل التي تعطل إنجاز مشاريع التنمية في عدد من الجهات، داعين إلى البحث عن مكامن جديدة وتيسير استغلالها.
كما أثيرت إشكالية عمل اللجان المشتركة المكلفة بدراسة مطالب التراخيص، حيث تمت الإشارة إلى أن تعدد المتدخلين قد يؤدي في بعض الحالات إلى تعطيل اتخاذ القرار، رغم موافقة أغلب الهياكل المعنية، بسبب اعتراض ممثل هيكل واحد، وهو ما يستوجب مراجعة آليات عمل هذه اللجان بما يضمن مزيدا من النجاعة والسرعة في البت في الملفات.
وفي تفاعلهم مع مختلف التساؤلات والملاحظات المطروحة، أوضح ممثلو الوزارتين أن اللجان المشتركة التي تضم ممثلين عن مختلف الهياكل المتدخلة تم إحداثها لضمان الشفافية ونزاهة دراسة الملفات، بما يضمن عدم إسناد التراخيص إلا بعد استيفاء جميع الشروط القانونية والفنية والبيئية، وتمكين مختلف المتدخلين من إبداء آرائهم حول كل مطلب من مختلف جوانبه.
وأضافوا أن الإدارة لا تقوم بإحداث المقاطع من تلقاء نفسها، باعتبار أن المقاطع هي مكامن طبيعية موجودة بحكم الخصائص الجيولوجية للمناطق، وإنما يتم اكتشافها وتهيئتها للاستغلال في إطار رخص تمنح للمستثمرين الذين يتقدمون بمطالب في الغرض، في حين يقتصر دور الإدارة على إعداد كراسات الشروط ودراسة الملفات ومرافقة المستثمرين وتيسير الإجراءات في إطار احترام التشريع الجاري به العمل.
وبينوا أن إسناد رخص الاستغلال يخضع إلى دراسة دقيقة تأخذ بعين الاعتبار موقع المقطع، ومدى قربه من التجمعات السكنية، وانعكاساته المحتملة على المحيط، إلى جانب مختلف الجوانب الفنية والبيئية والعقارية، مؤكدين أن بعض الملفات قد تشهد اعتراضات من المواطنين بسبب التخوف من الآثار البيئية لاستغلال المقاطع.
وأوضح ممثلو الوزارتين أن استعمال المتفجرات لا يرخص به إلا في الحالات التي تستوجب ذلك وبعد التأكد من عدم وجود مخاطر أو انعكاسات سلبية على المناطق السكنية المجاورة، في إطار احترام مقتضيات السلامة والمحافظة على المحيط.
وأكدوا أن احترام حق الملكية يعد من المبادئ الدستورية التي لا يمكن تجاوزها، لذلك لا يمكن الترخيص في توسعة المقاطع على حساب أملاك الغير إلا بموافقة صريحة من المالك، مبينين أن تعقد الوضعيات العقارية أو عدم وضوحها يعد من أبرز الأسباب التي قد تؤدي إلى تأخير إسناد بعض التراخيص، وهو ما يستوجب استكمال جميع الإجراءات العقارية قبل الشروع في الاستغلال.
كما أشاروا إلى أن تجديد رخص الاستغلال يخضع إلى معاينات تقوم بها اللجان الفنية المختصة، حيث يتم التثبت من مدى توفر المخزون القابل للاستغلال واحترام الالتزامات البيئية والفنية، ولا يمكن تجديد الرخص إذا ثبت استنزاف المخزون أو وجود مخاطر بيئية، لاسيما تلك المتعلقة بالمائدة المائية أو بمحيط المقطع.
وأضافوا أن كراس الشروط يمثل الإطار التعاقدي المنظم للعلاقة بين الإدارة ومستغل المقطع، ويتضمن مختلف الالتزامات الفنية والبيئية والاجتماعية الواجب احترامها، وفي صورة الإخلال بهذه الالتزامات يتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، مؤكدين أن سحب الترخيص لا يتم بصفة آلية وإنما وفقا للإجراءات القانونية والقضائية الجاري بها العمل.
وشدد ممثلو الوزارتين على أن الإدارة تحرص على تحقيق التوازن بين متطلبات الاستثمار وحماية المحيط واحترام حقوق المواطنين، ولذلك لا يمكن السماح بتحول المقاطع إلى مصدر إزعاج أو خطر على التجمعات السكنية، كما قد تحول الخصوصيات الأثرية أو البيئية لبعض المواقع دون الترخيص باستغلالها.
وفيما يتعلق بالمقاطع المخصصة للمشاريع العمومية، أوضحوا أنه متى تبين وجود مقطع صالح لتوفير المواد اللازمة لإنجاز مشروع عمومي، يمكن للمقاول المكلف بإنجاز المشروع التقدم إلى وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية بمطلب للحصول على حق استغلاله بالمراكنة، وذلك في إطار الاستثناءات المنصوص عليها بالتشريع الجاري به العمل.
كما بينوا أن الإشكال لا يتعلق فقط بعدد المقاطع، وإنما كذلك بنوعية المواد المقطعية المطلوبة، إذ إن بعض المشاريع، وخاصة مشاريع الطرقات، تستوجب مواد تستجيب إلى مواصفات فنية دقيقة لا تتوفر في جميع المقاطع، وهو ما يفسر مواصلة البحث، استنادا إلى الخرائط الجيولوجية، عن مكامن جديدة تستجيب لمتطلبات هذه المشاريع.
كما أوضح ممثلو الوزارتين أن الدولة تضبط استراتيجيتها في مجال المشاريع العمومية، في حين يبقى الاستثمار في قطاع المقاطع نشاطا ينجزه الخواص، وهو ما يستوجب مزيدا من تبسيط الإجراءات وتحسين مناخ الاستثمار، خاصة في ظل ارتفاع كلفة الاستثمار والتحديات البيئية والعقارية التي قد تحد من إقبال المستثمرين على هذا القطاع، داعين في الآن ذاته إلى مزيد التنسيق بين مختلف المتدخلين، بما في ذلك السيدات والسادة النواب والسلط الجهوية، للمساهمة في إيجاد حلول للإشكاليات المطروحة على المستوى الجهوي.
وفي الختام، تم التأكيد على أهمية قطاع المقاطع باعتباره أحد القطاعات الداعمة للاستثمار والتنمية، غير أن خصوصية هذا القطاع وحساسيته تقتضيان التعامل معه وفق مقاربة متوازنة، بالنظر إلى ما قد ينجر عن أنشطته من انعكاسات بيئية واجتماعية، وهو ما يستوجب تعزيز التنسيق بين مختلف الهياكل المتدخلة لضمان تحقيق التوازن بين المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وتحقيق الاستغلال المستدام للموارد الطبيعية.

