عقدت لجنة القطاعات الإنتاجية، الخميس 2 جويلية 2026، برئاسة السيدة دلال اللموشي، رئيسة اللجنة، جلسة استماع إلى إطارات وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري ووزارة التجارة وتنمية الصادرات، خُصّصت للنظر في التصورات والآليات الكفيلة بتنظيم قطاع تربية الماشية والحدّ من ارتفاع أسعار المواشي واللحوم الحمراء.
وفي مستهل الجلسة، قدّم ممثلو وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عرضًا حول التوجهات الإستراتيجية لقطاع تربية الماشية في أفق سنة 2030، استعرضوا خلاله واقع القطاع والتحديات التي يواجهها، إضافة إلى البرامج والإجراءات المزمع تنفيذها خلال الفترة 2026-2030.
وبيّن ممثلو الوزارة أن قطاع تربية الماشية عرف خلال السنوات الأخيرة ضغوطًا هيكلية متراكمة، تمثلت أساسًا في تداعيات الجفاف وتراجع الموارد المائية والأعلاف الخشنة، وارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج نتيجة المتغيرات الجيوسياسية العالمية، إلى جانب الصعوبات التمويلية التي واجهها المربون، وهو ما أدى إلى التفريط في جزء هام من القطيع، خاصة إناث الأبقار، وإلى اختلال في الميزان العلفي وتراجع الإنتاجية.
وأوضحوا أن هذه العوامل أسفرت، خلال السنوات الأخيرة، عن تقلص قطيع الأبقار وتراجع عدد المربين، وانخفاض الإنتاج الوطني للحوم الحمراء وللحليب الطازج فضلاً عن استمرار التبعية للتوريد في مجال الأعلاف.
واستعرض العرض التوجهات الإستراتيجية للوزارة في أفق سنة 2030، والمتمثلة في إعادة تكوين القطيع الوطني، وتحسين إنتاجيته كماً ونوعاً، والرفع من نسبة تغطية الحاجيات العلفية، وتعزيز التغطية الصحية الحيوانية، وإرساء منظومة رقمية متكاملة لمتابعة القطيع وضمان استرسال المعطيات.
كما تم تقديم المخطط الإستراتيجي لإعادة تكوين القطيع الوطني للفترة 2026-2030، ويهدف إلى دعم الأمن الغذائي وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وذلك من خلال أربعة محاور رئيسية تشمل إعادة تكوين قطيع الأبقار، وإعادة تكوين قطيع المجترات الصغرى، ورقمنة منظومة المتابعة، وتطوير الموارد العلفية، مع اعتماد تمويل مشترك بين ميزانية الدولة وصندوق تنمية القدرة التنافسية في قطاع الفلاحة والصيد البحري وعدد من الموارد الخارجية.
وبيّن ممثلو الوزارة أن البرنامج الخاص بإعادة تكوين قطيع الأبقار، يرتكز على جملة من الإجراءات، من بينها إقرار منح استثنائية لفائدة صغار المربين، والتكفل بفوائد القروض المخصصة لاقتناء الأراخي، والإعفاء من المعاليم والأداءات الموظفة على توريدها، إلى جانب دعم إنتاج الأراخي المؤصلة محليًا، واعتماد تقنيات التقييم الجينومي والبذور محددة الجنس بهدف تحسين السلالات والرفع من الإنتاجية.
وأضافوا أن البرنامج يستهدف أساسًا صغار المربين باعتبارهم الحلقة الأساسية في المحافظة على المنظومة الوطنية للإنتاج الحيواني، مع اشتراط عدم التفويت في الحيوانات المنتفعة بالدعم لمدة خمس سنوات لضمان استدامة الاستثمار.
كما تطرق العرض إلى مشروع رقمنة منظومة متابعة القطيع الوطني، عبر إرساء منصة رقمية مركزية تربط قواعد البيانات الجينية والإنتاجية وتمكن من التتبع الميداني الفوري، بما يعزز شفافية المنظومة ودقة الإحصائيات وتحسين عمليات الانتقاء.
وفيما يتعلق بالمجترات الصغرى، تم عرض برنامج لإعادة تكوين القطيع يعتمد على تعميم الترقيم الإلكتروني، وإنتاج فحول محسنة جينياً، وتحسين إدارة التناسل، إلى جانب تكثيف التأطير الفني للمربين.
وتناول العرض كذلك المخطط الخماسي للصحة الحيوانية، الذي يهدف إلى بلوغ نسبة تغطية صحية في حدود 90 بالمائة من القطيع الوطني بحلول سنة 2030، من خلال إدراج تلاقيح جديدة وتعزيز برامج الوقاية من الأمراض الحيوانية.
وفي محور الموارد العلفية، استعرض ممثلو الوزارة البرامج الرامية إلى تقليص العجز الهيكلي في الأعلاف، وذلك عبر التوسع في الزراعات العلفية، واستغلال المياه غير التقليدية، وتطوير إنتاج البذور العلفية، وإحداث مخزون تعديلي للأعلاف، إلى جانب تثمين المخلفات الفلاحية والصناعية، وإحداث وحدات حديثة لإنتاج الأعلاف وتوسعة طاقات الخزن، فضلاً عن تنفيذ برامج لإعادة تأهيل المراعي وتعزيز قدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية.
إثر ذلك، قدّم ممثلو وزارة التجارة وتنمية الصادرات عرضًا حول آليات تعديل السوق باللحوم الحمراء، استعرضوا خلاله واقع التزويد والتدابير المعتمدة لضمان انتظام السوق والحد من ارتفاع الأسعار.
وبيّنوا أن قطاع اللحوم الحمراء يشهد منذ سنوات نقصًا هيكليًا في الإنتاج، نتيجة تراجع القطيع بسبب تنامي ظاهرة التهريب والذبح العشوائي للإناث، وعزوف عدد من المربين عن مواصلة النشاط بسبب ارتفاع كلفة الإنتاج، وهو ما انعكس على تراجع العرض وتواصل ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، خاصة لحوم الضأن.
وأوضح ممثلو الوزارة أن تدخل الدولة يندرج في إطار حماية القدرة الشرائية للمواطن والمحافظة على انتظام التزويد، وذلك بالتنسيق مع مختلف الوزارات والهياكل المهنية، من خلال توفير اللحوم من الإنتاج الوطني رغم محدوديته، إلى جانب اللجوء إلى توريد كميات من لحوم الأبقار والضأن المبردة لفائدة الاستهلاك المحلي، وكميات من اللحوم المجمدة لتغطية حاجيات القطاع السياحي والحد من الضغط على السوق الداخلية.
وأشاروا إلى أن شركة اللحوم تعمل على تأمين التزويد المنتظم باللحوم المحلية عبر تطوير آليات الشراكة مع المؤسسات العمومية الناشطة في القطاع، بما يضمن تثمين الإنتاج الوطني وترويجه بأسعار تراعي المقدرة الشرائية للمستهلك.
وفي هذا السياق، تم إعداد مشروع اتفاقية بين ديوان الأراضي الدولية وشركة اللحوم يهدف إلى اقتناء المتوفرات من المواشي لدى الديوان، وإعداد برامج مشتركة لتربية وتسمين العجول، وإحكام التصرف في المحجوزات من المواشي بالتنسيق مع مصالح الديوانة، وتزويد نقاط البيع التابعة للديوان باللحوم الحمراء، خاصة خلال شهر رمضان، بما يساهم في المحافظة على القطيع وتعزيز العرض خلال المناسبات الاستهلاكية الكبرى، فضلاً عن التنسيق المشترك لتعديل السوق ودعم انتظامية التزويد. كما يتضمن البرنامج تشجيع ترويج واستهلاك لحوم الإبل بالسوق الداخلية بهدف تنويع مصادر العرض.
وأضاف ممثلو الوزارة أن شركة اللحوم واصلت خلال سنتي 2024 و2025 توريد اللحوم الحمراء المبردة لتعديل السوق.كما بيّنوا أنه، وفي إطار تلبية حاجيات القطاع السياحي، يتم الترخيص للخواص سنويًا بتوريد اللحوم المجمدة لفائدة المؤسسات السياحية، بما يخفف الضغط على السوق المحلية، مع مواصلة هذه الآلية خلال سنة 2026.
وفيما يتعلق بالأسعار، أوضح ممثلو الوزارة أنه يجري العمل، بالتنسيق مع وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، على تحديد أسعار قصوى للحوم الحمراء للحد من ارتفاعها، إلى جانب ترويج كميات من لحوم الضأن والأبقار عبر نقاط البيع التابعة لشركة اللحوم بأسعار تفاضلية ، فضلاً عن دعم نقاط البيع من المنتج إلى المستهلك التابعة لديوان الأراضي الدولية.
كما استعرضوا الإجراءات الرقابية المعتمدة، والتي تشمل تكثيف المراقبة على المجازر ونقاط الشواء للحد من الذبح العشوائي والمحافظة على إناث القطيع، إلى جانب تشديد الرقابة على مختلف مسالك التوزيع للتصدي للممارسات الاحتكارية والحد من تدخل الوسطاء، خاصة خلال فترات الذروة الاستهلاكية، وفي مقدمتها عيد الأضحى.
وخلال النقاش، طرح السيدات والسادة النواب جملة من التساؤلات والملاحظات تمحورت أساسًا حول أسباب التدهور المتواصل لقطاع تربية الماشية، في ظل ارتفاع كلفة الإنتاج وأسعار الأعلاف، وتراجع القطيع الوطني، وانعكاس ذلك على أسعار المواشي واللحوم الحمراء والقدرة الشرائية للمواطن.
وتساءل عدد من النواب عن الخطة الوطنية لإعادة تكوين القطيع الوطني والمحافظة عليه، والإجراءات المزمع اتخاذها للحد من ظاهرة ذبح الإناث ومكافحة تهريب المواشي، مع المطالبة بتشديد الرقابة على الحدود ومسالك التوزيع والتصدي لشبكات التهريب.
كما دعا عدد من المتدخلين إلى الإسراع بتفعيل برامج دعم صغار مربي الأبقار، وتوضيح مآل المنح والقروض المقررة لفائدتهم، مع المطالبة بإرساء منظومة دقيقة لحصر القطيع الوطني وتعميم الترقيم وتحسين الإحصائيات المتعلقة بالثروة الحيوانية.
وأثار النقاش جملة من الإشكاليات المتعلقة بمنظومة الأعلاف، من بينها ارتفاع الأسعار، والغموض الذي يشوب توزيع الأعلاف المدعمة، والتأخير في توزيعها، وضرورة مراجعة آليات إسناد الدعم وإحكام توجيهه إلى مستحقيه، إلى جانب تعزيز دور الشركات التعاونية في توفير الأعلاف.
كما تم التطرق إلى ضعف التغطية البيطرية في عدد من الجهات، والنقص المسجل في الأطباء البياطرة ووسائل تدخلهم، والدعوة إلى تكثيف حملات التلقيح وتعزيز الخدمات البيطرية، فضلاً عن التساؤل حول مدى دقة المعطيات والإحصائيات المقدمة بشأن حجم القطيع الوطني.
وشملت المداخلات أيضًا الاستفسار عن دور شركة اللحوم في تعديل السوق، ومدى نجاعة سياسات التوريد، وحجم الأضاحي التي تم توريدها خلال عيد الأضحى، إضافة إلى الدعوة إلى اعتماد البحث العلمي والتحسين الوراثي ضمن استراتيجية وطنية للنهوض بالإنتاج الحيواني.
و لفت عدد من المتدخلين إلى وجود تباين بين الأسعار المرجعية التي تم عرضها والأسعار المتداولة فعليًا بالأسواق، وإلى تنامي ظواهر الاحتكار، والذبح العشوائي، وسرقة المواشي، مؤكدين ضرورة تشديد الرقابة وتطبيق القانون ودعم الهياكل الجهوية المكلفة بالإحاطة بالقطاع.
وفي ردودهم، أكد ممثلو وزارة التجارة أن تعديل سوق اللحوم الحمراء يتطلب تضافر جهود مختلف الهياكل المتدخلة، باعتبار أن شركة اللحوم تمثل إحدى أهم آليات الدولة لتعديل السوق، مشيرين إلى أن اللجوء إلى التوريد يظل حلاً استثنائيًا ووقتيًا يتم اعتماده عند الضرورة دون الإضرار بالإنتاج الوطني أو بمصالح المربين.
وأوضحوا أن الوزارة تواصل تنفيذ برامج الرقابة على مسالك التوزيع والمسالخ بالتنسيق مع مختلف الأجهزة المختصة، حيث تم تحرير مئات المحاضر المتعلقة بالمخالفات الاقتصادية، وحجز كميات من اللحوم غير الصالحة للاستهلاك، إلى جانب مواصلة العمل على استعادة شركة اللحوم لدورها من خلال دعم رأسمالها، وتعزيز مواردها البشرية، وإعداد برامج شراكة مع مختلف المؤسسات العمومية المعنية بقطاع الإنتاج الحيواني.
ومن جهتهم، أكد ممثلو وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري أن وضعية القطاع هي نتيجة تراكمات امتدت لسنوات، وأن إعادة تكوين القطيع الوطني تمثل مشروعًا استراتيجيًا يرتبط بالأمن الغذائي ويتطلب وقتًا وإمكانات كبيرة وتنسيقًا بين مختلف الهياكل المتدخلة، مشيرين إلى أن البرنامج المقترح سيُعرض في إطار قانون المالية القادم.
وأضافوا أن الوزارة تعمل على تطوير منظومة الصحة الحيوانية عبر تكثيف حملات التلقيح، ومكافحة الأمراض الوبائية، وتقريب الخدمات البيطرية من المربين، مع تعزيز الموارد البشرية بانتداب أطباء بياطرة جدد، إلى جانب توسيع برنامج ترقيم القطيع وتحسين السلالات بالاعتماد على التحسين الوراثي والدراسات العلمية.
كما أوضح ممثلو الوزارة أن الإشكاليات المرتبطة بالأعلاف تعود إلى عوامل هيكلية وتداعيات سنوات الجفاف، مؤكدين أن ديوان الأعلاف شرع في استعادة دور الدولة في هذا المجال، وأن العمل متواصل لإصلاح منظومة توزيع الأعلاف المدعمة، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التعاون مع الشركات التعاونية، فضلاً عن إعداد خطة وطنية مبكرة لتوفير الأضاحي خلال عيد الأضحى القادم بما يحقق التوازن بين مصلحة المربين والقدرة الشرائية للمستهلكين

