You are currently viewing رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم يشرف على جلسة استماع للجنة القطاعات الإنتاجية لممثلي وزارة الفلاحة

رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم يشرف على جلسة استماع للجنة القطاعات الإنتاجية لممثلي وزارة الفلاحة

عقدت لجنة القطاعات الإنتاجية، الأربعاء 11 فيفري 2026، برئاسة السيد عماد الدربالي رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم، وبحضور السيدة دلال اللموشي رئيسة اللجنة، جلسة استماع إلى إطارات وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، خُصّصت للنظر في وضعية المياه والسدود.
وفي افتتاح الجلسة، ثمن السيد رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم، الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، باعتبار أن هذه القطاعات تعد رافعة أساسية للاقتصاد الوطني وأحد ركائز الأمن الغذائي والمائي للبلاد.
كما نوّه بالمجهودات الكبيرة التي يبذلها السيدات والسادة أعضاء لجنة القطاعات الإنتاجية في متابعة الإشكاليات الحقيقية للقطاع الفلاحي، من خلال الاستماع المباشر إلى المواطنين، والزيارات الميدانية إلى مختلف الجهات، إضافة إلى جلسات الاستماع المنتظمة بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم.
وأشار السيد رئيس المجلس إلى أنّ اللجنة تناولت بالدراسة والنقاش مع ممثلي الوزارة عديد الملفات الحيوية، على غرار قطاع زيت الزيتون، ووضعية التكوين والإرشاد الفلاحي، ومنظومة البذور والأسمدة وطرق التزود بها وتوزيعها، ووضعية قطاع تربية الماشية ومنظومة الأعلاف، إضافة إلى وضعية الأراضي الدولية الفلاحية، مؤكّدًا أنّ الجلسة الحالية تُخصّص لموضوع بالغ الأهمية يتمثل في وضعية السدود لما له من انعكاسات مباشرة على الأمن المائي والتنمية الفلاحية.
وفي ختام كلمته، جدّد السيد رئيس المجلس ترحيبه بالحضور، متمنيًا أن تساهم هذه الجلسة في بلورة تصوّرات وحلول عملية تعزّز حوكمة الموارد المائية وتدعم المجهود الوطني في هذا المجال.
وإثر ذلك، تم تثمين تفاعل وزارة الفلاحة مع أعمال اللجنة وجلسات الاستماع، والإشارة إلى الزيارات الميدانية التي أدّتها اللجنة إلى عدد من الجهات للاطلاع على الإشكاليات المطروحة والتداول بشأنها.
ومن جانبهم، قدّم ممثلو الوزارة عرضًا فنيًا مفصّلًا تولّت إنجازه الإدارة العامة للسدود والأشغال المائية الكبرى، تناول الوضعية المائية في تونس خلال السنة المائية 2025–2026، مستعرضا واقع الموارد المائية بمختلف أصنافها، وتطوّر التساقطات والإيرادات ومخزون السدود، إضافة إلى انعكاسات التقلبات الجوية الأخيرة، وخاصة الأمطار الاستثنائية المسجّلة خلال شهر جانفي 2026، مع استشراف المشاريع المبرمجة لتعزيز الأمن المائي.
وبيّن العرض أنّ تونس تعتمد أساسًا على الموارد المائية السطحية التي تقدّر بحوالي 2700 مليون متر مكعب سنويًا، موزّعة على 37 سدًا كبيرًا بطاقة خزن تناهز 2321 مليون متر مكعب، و235 سدًا جبليًا بطاقة 321 مليون متر مكعب، و909 بحيرة جبلية بطاقة إستيعاب تقدر ب 58 مليون متر مكعب، مع بلوغ نسبة تعبئة المنشآت السطحية حوالي 93% إلى موفّى سنة 2025.
وأفاد العرض، أن طاقة الخزن شهدت تطورًا ملحوظًا خلال العقود الأخيرة، حيث ارتفعت من 423 مليون متر مكعب سنة 1979 إلى 2368 مليون متر مكعب سنة 2025، في إطار سياسة متواصلة لتدعيم البنية التحتية للسدود. وفي المقابل، تمثّل الموارد المائية الجوفية رافدًا مهمًا، غير أنّها تعرف ضغوطًا متزايدة نتيجة الاستغلال المفرط، إذ تتجاوز نسب الاستغلال في بعض الطبقات 119% إلى 149%، مع وجود أكثر من 152 ألف بئر سطحية وقرابة 48 ألف بئر عميقة. وتقدّر الموارد التقليدية القابلة للاستغلال بحوالي 5182.6 مليون متر مكعب سنويًا، تتوزّع بين المياه السطحية بنسبة 56%، والمياه الجوفية العميقة بنسبة 29%، والمياه الجوفية قليلة العمق بنسبة 15%.
وأكد ممثلو وزارة الفلاحة، أن الدولة تولي اهتمامًا متزايدًا بالموارد غير التقليدية، وخاصة تحلية مياه البحر ومعالجة المياه المستعملة، حيث تبلغ الطاقة الجملية لتحلية المياه، حوالي 310 ألف متر مكعب يوميًا، أي ما يعادل 90 مليون متر مكعب سنويًا، إضافة إلى حوالي 292 مليون متر مكعب من المياه المستعملة المعالجة سنويًا عبر 125 محطة تطهير، بما يرفع إجمالي الموارد غير التقليدية إلى أكثر من 350 مليون متر مكعب سنويًا.
ورغم هذه المجهودات، أكّد العرض أنّ تونس تعاني ندرة مائية هيكلية، إذ لا يتجاوز نصيب الفرد 420 مترًا مكعبًا سنويًا، أي دون عتبة الشحّ المائي المحدّدة بـ500 متر مكعب، ما يضع البلاد ضمن الدول الثلاثين الأولى عالميًا من حيث ندرة المياه، خاصة مع تواصل فترات الجفاف وسوء التوزيع الجغرافي للموارد، حيث يتركّز المورد الأساسي بالشمال الغربي مقابل ارتفاع الطلب بالمناطق الساحلية والحضرية.
وفي ما يتعلّق بتطوّر مخزون السدود، بيّن العرض أنّ السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا حادًا، حيث بلغ المخزون في بعض الفترات خلال 2024–2025 مستويات تاريخية دنيا في حدود 460 مليون متر مكعب بنسبة امتلاء 19.6% فقط. غير أنّ السنة المائية الحالية عرفت تحسّنًا ملحوظًا، إذ تجاوز المخزون خلال بعض الأشهر 1269 مليون متر مكعب، مع بلوغ نسبة الامتلاء أكثر من 50% لأول مرة منذ سنة 2022. كما قُدّرت الإيرادات الإجمالية بحوالي 1010 مليون متر مكعب، أي ما يعادل 56% من المعدّل السنوي، مع تركّزها أساسًا في سدود الشمال التي تستحوذ على نحو 80% من الواردات، مقابل نسب أقل بالوسط والجنوب، وهو ما دعّم عمليات تحويل المياه بين المنظومات لتأمين التزويد بالمياه الصالحة للشرب والري.
وأوضح العرض أن هذا التحسّن، يأتي أساسًا نتيجة التساقطات المطرية المسجّلة منذ بداية الموسم (سبتمبر 2025 – فيفري 2026)، والتي مثّلت حوالي 55% من المعدّل السنوي، مع تسجيل 19.25 مليار متر مكعب من الأمطار إلى موفّى جانفي 2026، وتميّز شهر جانفي بتساقطات استثنائية بلغت 7.78 مليار متر مكعب، أي أكثر من خمس المعدّل السنوي. كما شهدت الفترة الممتدة بين 19 و21 جانفي أحداثًا مطرية نادرة جدًا، سجّلت خلالها بعض المحطات كميات قياسية وصلت إلى 241 مم في صيادة بالمنستير، مع فترات تكرار تقدّر بين 50 و200 سنة.
كما تمّ استعراض المشاريع المبرمجة للفترة 2026–2030، الذي يشمل إنجاز سدود كبرى جديدة، وتطوير منظومات تحويل المياه والقنوات ومحطات الضخ، ورفع طاقة بعض السدود، إلى جانب إدماج الطاقات المتجددة عبر تركيز محطات كهروضوئية ومحطات كهرومائية لتقليص كلفة الاستغلال، إضافة إلى إنجاز سدود جبلية جديدة لدعم تعبئة الموارد.
وخلص العرض إلى أنّ التحسّن المسجّل خلال السنة الحالية يمثل مؤشرًا إيجابيًا ظرفيًا بفضل الأمطار الاستثنائية، إلا أنّ التحدّي الهيكلي لندرة المياه ما يزال قائمًا، مما يستوجب مواصلة الاستثمار في تعبئة الموارد وتنويع مصادر التزويد وتحسين الحوكمة المائية لضمان الأمن المائي على المدى المتوسط والبعيد.
وخلال النقاش، تولّى السيدات والسادة النواب طرح جملة من الإشكاليات الميدانية والتساؤلات المتعلقة بوضعية الموارد والمنشآت المائية بعدد من الجهات، ومدى انعكاسها على التزويد بالمياه الصالحة للشرب ودعم النشاط الفلاحي والتنمية المحلية. كما أُثيرت مسألة تدهور وضعية بعض السدود القديمة، مثل سد الواد الكبير بولاية زغوان، وتراجع طاقتها التخزينية نتيجة التقادم وغياب أشغال التهيئة، مع الدعوة إلى التسريع بإيجاد حلول لإعادة تأهيلها أو إحداث بدائل جديدة.
وفي ردودهم، أوضح السادة ممثلو الوزارة أنّ عدداً من هذه السدود يعود إلى فترات قديمة ولا تسمح خصائصها الهندسية بأشغال التوسعة أو التعليّة، مؤكّدين محدودية جدوى التدخلات الهيكلية عليها، مقابل التوجّه نحو برمجة منشآت جديدة أو حلول بديلة تراعي الخصوصيات الجيولوجية والبيئية لكل منطقة.
من جانب آخر، تطرّق النقاش إلى المفارقة القائمة بين وفرة الموارد المائية في بعض الجهات ومعاناة المتساكنين من صعوبات في التزويد بالمياه الصالحة للشرب، إلى جانب تعطّل بعض المناطق السقوية والمشاريع المهيكلة، خاصة ما تمّت معاينته خلال الزيارة الميدانية إلى ولاية جندوبة، حيث ورغم تمركز عدد من السدود الكبرى بالجهة، فإنّ عدّة مناطق بها لا تزال تعاني من نقص، بل وأحيانًا من انقطاع التزويد بالمياه الصالحة للشرب.
وفي هذا السياق، دعا عدد من المتدخلين إلى التسريع في إنجاز المشاريع المعطّلة للتزويد بالماء الصالح للشرب بهذه المناطق، مع ضرورة تحسين حوكمة توزيع الموارد المائية بما يضمن عدالة النفاذ إلى الماء بين مختلف الجهات.
وأُثيرت كذلك، مسألة جودة المياه، خاصة ما تمّ تداوله بخصوص مزاعم وجود تلوّث جرثومي في سد ملاق، حيث أكّد ممثلو الوزارة أنّ مراقبة جودة المياه تتم بصفة دورية وأن التحاليل المخبرية تُنجز بانتظام تحت إشراف الهيئة الوطنية للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، موضّحين أنّ بعض المؤشرات المسجّلة في الروافد أو التسربات لا تعني بالضرورة وجود تلوّث بالمياه المخزّنة بالسد، وأنّ إجراءات احترازية اتُّخذت بإيقاف الاستغلال مؤقتًا إلى حين استكمال التحاليل، قبل استئناف الاستغلال بعد التأكّد من سلامة المياه. كما شدّد ممثلو الوزارة على أنّ الأخبار المتداولة تفتقر أحيانًا إلى الدقة ويتم تضخيمها لأغراض إثارة البلبلة، مؤكّدين أنّ آخر التحاليل أثبتت خلو مياه سد ملاق من جرثومة السالمونيلا.
كما شدّد عدد من المتدخلين على ضرورة تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، خاصة بين القطاعات المعنية بالمياه والبيئة، لحماية الموارد المائية ومراقبة تصريف المياه المستعملة وتحسين جودة مياه الشرب، مع طرح تساؤلات حول نسب ضياع مياه الأمطار وإمكانيات تجميعها وتثمينها، وسياسة الوزارة بخصوص مياه الري بين العودة إلى النسق العادي أو مواصلة إجراءات الترشيد.
وأفاد ممثلو الوزارة أنّ المرحلة الحالية تستوجب استغلال الموارد المتاحة مع ترشيد الاستهلاك وتعزيز الحوكمة، مبرزين وجود مشاريع جارية وأخرى مبرمجة لتحسين التزويد بالمياه الصالحة للشرب وإعادة تهيئة بعض المنظومات المائية ودعم الهياكل المحلية المكلفة بالتصرف في المياه.
كما تمّ التأكيد على أهمية مواصلة تحديث شبكات مياه الشرب وتحسين مردودية الاستغلال وضمان حسن توظيف المنشآت المائية القائمة في إطار استراتيجية شاملة لتعزيز الأمن المائي.
واختتم السيد رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم، الجلسة، بتوجيه الشكر لممثلي الوزارة على العرض والتوضيحات المقدّمة، وللسيدات والسادة النواب على مداخلاتهم ومقترحاتهم، مؤكّدًا ضرورة مواصلة متابعة مختلف الإشكاليات المطروحة بالتنسيق مع الجهات المعنية، وتعزيز التعاون بين الوظيفتين التشريعية والتنفيذية لإيجاد الحلول الكفيلة بمعالجة الإشكالات المطروحة في مختلف القطاعات.