عقدت لجنة المخططات التنموية والمشاريع الكبرى بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، جلسة عمل، الجمعة 23 جانفي 2026، برئاسة السيد عماد الدربالي رئيس المجلس، خصّصت للاستماع إلى ممثلي وزارة الاقتصاد والتخطيط حول مخطط التنمية 2026–2030، في إطار الدور الدستوري الرقابي للمجلس.
وفي افتتاح الجلسة، أكد السيد رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم، على أهمية هذه الجلسة المخصّصة لمناقشة المحاور الكبرى لمخطط التنمية 2026–2030، والذي يمثل خيارا وطنيا استراتيجيا يؤسّس لمرحلة جديدة من البناء والتنمية العادلة والمتوازنة.
وأشار إلى أن هذه الجلسة تندرج في صميم الدور الدستوري للمجلس الوطني للجهات والأقاليم، باعتباره التعبيرة الحقيقية في ترجمة إرادة الشعب، وإطارا تشريعيا من أجل تكريس مقاربة تنموية جديدة تقطع مع المركزية المفرطة، وترسخ مبدأ المشاركة الفعلية لممثلي الشعب في كل الجهات والأقاليم و على المستوى الوطني في صياغة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، انطلاقا من واقعها وخصوصياتها وانتظارات مواطنيها.
واعتبر السيد عماد الدربالي أن التجارب السابقة بينت أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تُفرض من المركز، ولا أن تختزل في أرقام ومؤشرات معزولة عن الواقع، بل تبنى عبر منهجية تشاركية، واضحة المعالم، دقيقة الأهداف، تقوم على الإنصات، والتشخيص الموضوعي، وحسن ترتيب الأولويات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان الانسجام بين التخطيط والتنفيذ.
ومن هذا المنطلق، أفاد بأن مناقشة منهجية العمل في مخطط التنمية 2026–2030 تستوجب، تحلي الجميع بأعلى درجات المسؤولية، والعمل بروح جماعية، بعيدا عن المقاربات الظرفية و الحسابات الضيقة، من أجل وضع أسس مخطط وطني يعكس فعليا طموحات الشعب التونسي في العدالة الاجتماعية، والتنمية الجهوية المتوازنة، والكرامة، والسيادة الوطنية.
وقال في هذا السياق، لا يفوتني أن أؤكد على أهمية التنسيق الوثيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط، بما يضمن تكامل الأدوار، وتوحيد الرؤى، وتحقيق النجاعة المطلوبة، حتى يكون هذا المخطط ثمرة عمل مشترك، ومسارا واضحا، وأداة فعلية للتغيير الإيجابي”.
وفي ختام كلمته، جدد السيد رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم، التأكيد على التزام المجلس بمواصلة العمل بكل جدية وثبات، دفاعا عن حق الجهات في التنمية، وعن حق الشعب في أن يكون شريكًا حقيقيًا في صياغة مستقبله، في إطار وحدة الدولة واستمرارية مسارها التحرري.
من جانب آخر، تم التأكيد على أنّ هذه الجلسة التمهيدية الأولى ستليها جلسات عمل مشتركة أخرى. وتمثل هذه الجلسات حلقة وصل أساسية بين إرادة الجهات وإمكانيات الدولة، وهي تتويج لمسار تصاعدي ماراطوني قادته اللجنة، شمل جلسات استماع للإدارات والمؤسسات العمومية والفاعلين الاقتصاديين، وتحليلًا معمّقًا للمؤشرات والإحصائيات الجهوية والإقليمية، وصولًا إلى الحوار المباشر مع مجالس الأقاليم.
وتمت الإشارة إلى أنّ هذا المسار أفضى إلى بلورة ملامح الهوية الاقتصادية و الميزات التفاضلية لكل إقليم، باعتبارها عنصرًا قادرًا على الإسهام في بناء سلاسل قيمة متكاملة صلب الأقاليم ذاتها وفيما بينها، بما يجسّد فعليًا مفاهيم السيادة والتعويل على الذات والاندماج الاقتصادي والاجتماعي في ظل الدولة الواحدة.
وتم التأكيد على أن لجنة المخططات والمشاريع الكبرى، باتت تمتلك بنك معطيات حقيقيًا يتيح الانتقال من الخطاب العام إلى نقاش استراتيجي مبني على الواقع، مع التأكيد على أن الهدف من هذه الجلسات هو الإعداد الجيد لمرحلة المداولة والمصادقة، حتى يكون مخطط التنمية 2026–2030 واقعيًا في تعاطيه مع الإكراهات المالية، سياديًا في خياراته، عادلًا ومنصفًا بين الجهات، وموجّهًا نحو بناء أقاليم منتجة خالقة للثروة في إطار دولة عادلة وميسّرة للاستثمار.
ومن جهتهم، قدّم ممثلو وزارة الاقتصاد والتخطيط، وبالخصوص، رئيس الديوان والكاتب العام للوزارة، عرضًا حول تقدّم إعداد المخطط، مؤكدين أنّ النسخة الأولية أصبحت جاهزة، وأنّ التمشي التصاعدي المعتمد منح المخطط مصداقية أكبر. كما أوضحوا أنّ عملية الإعداد كانت تقنية في جانب كبير منها، خاصة في ما يتعلّق بترتيب الأولويات وفق السقف المالي المتاح، وأنّ العمل تمّ كذلك على المستوى القطاعي بمنهجية أفقية شملت محاور التحول الطاقي، والرقمنة، والتفاوت التنموي، والمجال الاجتماعي، عبر لجان مختصة تهدف إلى تحسين مردودية السياسات العمومية.
وبيّن ممثلو الوزارة أنّ الهدف الأساسي لمخطط 2026–2030 يتمثّل في خلق الثروة ورفع متوسط الدخل الفردي لتحسين الرفاه الاجتماعي، عبر التركيز على النمو النوعي وخلق القيمة المضافة. كما تمّ التطرّق إلى ضعف نسب إنجاز المخططات السابقة، وضرورة دعم قطاع المقاولات الوطنية وتحسين مناخ الاستثمار، إلى جانب تطوير الفلاحة، والسياسة الصناعية، وقطاع الخدمات والسياحة، وتعزيز الإصلاحات الإدارية، والرقمنة، وتوظيف الذكاء الاصطناعي كرافعات للنمو، مع التأكيد على أهمية البعد البيئي والمناخي.
وفي تدخلاتهم، أكّد السيدات والسادة النواب على مركزية السيادة الغذائية والمائية والطاقية، وطرحوا تساؤلات حول ترتيب أولويات المشاريع، والمعايير المعتمدة في ذلك.
كما شدّدوا، في إطار الدور الرقابي للمجلس، على ضرورة توضيح المنهجية الفعلية لإعداد المخطط التنموي، وضمان ترجمة العدالة المجالية عمليًا، وتحديد المشاريع الكبرى ذات الأولوية وجاهزيتها، وتوضيح الإطار المالي ومصادر التمويل، وضمان انسجام المخطط مع التحولات الوطنية والدولية والتحديات الجيو-اقتصادية العالمية.
وأكّد عدد من المتدخلين، على أنّ مخطط التنمية 2026–2030 يجب أن يعكس توجهات رئاسة الجمهورية في الحدّ من الفوارق وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين، وأن تكون بصمة المواطن حاضرة فعليًا في هذا المخطط، مع التزام المجلس الوطني للجهات والأقاليم، بمتابعة التنفيذ والتقييم السنوي اعتمادًا على مؤشرات علمية دقيقة، وإثارة إشكاليات المشاريع المعطّلة وتمويل المخطط.
وخلصت الجلسة إلى أنّ مخطط التنمية 2026–2030 يمثّل محطة مفصلية تستوجب القطع مع المقاربات السابقة، وتعزيز التمشي التشاركي، وضمان الانتقال من منطق البرمجة إلى منطق الإنجاز.
كما أوصى الحاضرون، بضرورة جعل العدالة المجالية ركيزة عملية يتم تنفيذها، مدعومة بمؤشرات وآجال واضحة، وعلى أهمية التعويل على خلق الثروة ورفع الدخل الفردي كمدخل لتحقيق الرفاه الاجتماعي.

