عقدت لجنة القطاعات الإنتاجية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم ولجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب، الإثنين 3 نوفمبر 2025، جلسة مشتركة، برئاسة السيدة دلال اللموشي والسيد ياسر القوراري رئيسي اللجنتين، خصصت لمناقشة مشروع ميزانية مهمة أملاك الدولة والشؤون العقارية لسنة 2026.
وفي افتتاح الجلسة، تولى السيد وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية تقديم عرض شامل حول استراتيجية الوزارة وبرامجها الأساسية، مبيّنًا أن الوزارة تمثل فاعلًا أفقيًا في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وتضطلع بدور محوري في حماية الرصيد العقاري للدولة وتثمينه.
وأوضح السيد الوزير أن مهمة أملاك الدولة تقوم على تحديد وضبط وحماية الملك العام والخاص للدولة، وتثمين الثروة العقارية الوطنية بما يواكب متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مبرزا أهمية العقار في دفع الاستثمار، إذ لا يمكن لأي مشروع اقتصادي أن يرى النور دون وضوح الوضعية القانونية للعقار الذي سيقام عليه.
وتضمن العرض تبويب ميزانية المهمة التي بلغت لسنة 2026 حوالي 92.965مليون دينار تعهدًا و 94.165 مليون دينار دفعًا. وتوزعت الاعتمادات على ثلاثة برامج رئيسية هي برنامج حماية أملاك الدولة (44.8%) وبرنامج التصرف في أملاك الدولة (22.9%) و برنامج القيادة والمساندة (33.34 %).
و أوضح السيد الوزير عددا من النقاط بخصوص برنامج التصرف في أملاك الدولة، الذي يهم التصرف في العقارات الدولية الفلاحية وغير الفلاحية، والتسوية العقارية، وتسجيل الأملاك لحمايتها من الاستيلاء والضياع. كما دعا إلى دعم الاعتمادات الموجهة لتسجيل العقارات، نظرًا لما تتطلبه العملية من مصاريف وأعمال فنية تنجز بالتعاون مع ديوان قيس الأراضي.
أما بخصوص برنامج حماية أملاك الدولة، فقد بين السيد الوزير، دور جهاز المكلف العام بنزاعات الدولة والهيئة العامة لرقابة أملاك الدولة، مشيرًا إلى الصعوبات التي تواجهها هذه الهياكل نتيجة ضعف الإمكانيات البشرية واللوجستية. كما تطرق إلى ضرورةالإسراع في إصدار مجلة أملاك الدولة، التي تمثل الإطار التشريعي الأهم لحوكمة هذا القطاع، ولتمكين أعوان الوزارة من صفة الضابطة العدلية بما يتيح لهم التدخل الفعلي عند الاعتداءات على الملك العام.
وأشار السيد الوزير إلى أهمية المسح العقاري والتسجيل الإجباري، مبينًا أن تحديد العقارات عملية مكلفة لكنها ضرورية لتأمين الملكية العامة، وداعمة لثقة المستثمرين المحليين والأجانب. وأكد في هذا الإطار أن مشروع الخارطة الرقمية الذي يُنجز تحت إشراف ديوان قيس الأراضي سيمثل نقلة نوعية في تسهيل النفاذ إلى المعلومة العقارية وتعزيز الشفافية.
وخلال النقاش، طرح السيدات والسادة النواب من اللجنتين عدة تساؤلات حول تأخر إعداد مجلة أملاك الدولة، وضعف التنسيق بين الوزارة والإدارات الجهوية، وتراكم الملفات العقارية غير المسواة، إضافة إلى بطء تسوية الوضعيات الخاصة بالعقارات الفلاحية والتجمعات السكنية، وما يسببه ذلك من انعكاسات اجتماعية واقتصادية.
كما تم التطرق إلى ظاهرة الاستيلاء على الملك العام، وضعف حضور المكلف العام بنزاعات الدولة في بعض القضايا، مما يؤدي إلى خسارة الدولة لعدد من الملفات. وأثيرت كذلك مسألة الانتدابات والتكوين داخل الوزارة، والنقص الملاحظ في الإطارات الجهوية والخبراء، وغياب التنظيم الهيكلي للإدارات الجهوية بما يؤثر على النجاعة.
وفي سياق متصل، تساءل عدد من السيدات والسادة النواب عن أسباب تأخر التسوية العقارية للأراضي الدولية الفلاحية، مؤكدين أن هذا التعطيل ينعكس سلبًا على الإنتاج الفلاحي والاستقرار الاجتماعي في الجهات. كما دعا البعض إلى تيسير الإجراءات لفائدة الشباب العاطل عن العمل وتمكينهم من استغلال الأراضي الدولية في إطار مقاربة اجتماعية تنموية.
وأُثيرت أيضًا إشكاليات تتعلق بالأراضي الاشتراكية وصعوبات النظر فيها من قبل المحكمة العقارية بسبب تعدد النصوص التشريعية وتداخل الصلاحيات، إلى جانب التأخير في رقمنة الإدارة العقارية وغياب قاعدة بيانات موحدة تُسهّل اتخاذ القرار.
وفي تفاعله مع هذه التساؤلات، أكد السيد الوزير أن تأخر إصدار مجلة أملاك الدولة يعود إلى كونها مشروعًا معقدًا يضم محاور قانونية حساسة، وأن الوزارة بصدد استكمال الملاحظات الواردة من مختلف الهياكل الحكومية قبل عرضه على المسار التشريعي. كما بيّن أن عدم تمتع الوزارة بالضابطة العدلية يحد من قدرتها على التدخل الميداني الفوري، مشيرًا إلى أن المجلة الجديدة ستتدارك هذا النقص.
وأضاف أن عملية تسوية الوضعيات العقارية تتم وفق ضوابط قانونية دقيقة، مع مراعاة مبدأ حسن النية، مؤكدًا أن الدولة حريصة على حماية أملاكها دون الإضرار بالمواطنين. أما بخصوص الانتدابات، فقد أوضح أن الوزارة ستشرع في تكوين الإطارات الجديدة المنتدبة لسنة 2026 مع الاستفادة من خبرة المتقاعدين لتأطيرهم وضمان استمرارية المرفق العام.
وفي ما يخص الأملاك المصادرة، أوضح السيد الوزير أن الوزارة تحيل الملفات إلى لجنة المصادرة، وأن التعطل في بعض الحالات يعود إلى الخلافات حول تقدير القيمة الحقيقية للعقارات، معبرًا عن ارتياحه لتنقيح الفصل 96 من المجلة الجزائية الذي رفع الضغط عن الإطارات العمومية وسمح لهم بالعمل في مناخ أكثر طمأنينة.
واختتم السيد الوزير ردوده، بالتأكيد على أن الوزارة تتحمل مسؤولية ثقيلة في حماية الرصيد العقاري الوطني، داعيًا إلى تعزيز التنسيق بين الوظيفتين التشريعية والتنفيذية لإتمام الإصلاحات التشريعية والهيكلية اللازمة، وترسيخ ثقافة التصرف الرشيد والشفاف في أملاك الدولة.

